338

Afʿāl al-Rasūl ﷺ wa-dalālatuhā ʿalā al-aḥkām al-sharʿiyya

أفعال الرسول ﷺ ودلالتها على الأحكام الشرعية

Publisher

مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع

Edition

السادسة

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

والجواب أن مثل هذه الحادثة خالفَ فيها الفعلُ القولَ المتقدم المستقرّ المعلوم، فلا يكفي الفعل لنسخه لو كان المراد النسخ، فلو لم ينبئهم به لقُدم القول.
وحينئذ فإذا أريد نسخه لا بد من أن يكون ذلك بقول. وخاصة على قول من يقول: الفعل لا ينسخ القول مطلقًا، أو لا ينسخه ما لم يتكرر.
وأيضًا ما ذكره النبي ﷺ من أنه ينسى كما ينسون، يجعل تركه لما ترك مجملًا، لأنه يدور بين النسيان وبين التشريع، ومن أجل ذلك لا يصلح الفعل بيانًا في مثل هذا المقام، ويتعين القول.
...
هذه أدلتهم التي أوردوها، وقد زيّفناها وبيّنا أنها لا تدل على مطلوبهم. ولقد صرّح أبو شامة بأن "الاقتداء بالواجب من فعله ﷺ لا يكون واجبًا، وأنه لا يعلم شيئًا من الأحكام الواجبة مستندُ وجوبه الفعل". وهذه مجازفة غير مقبولة، كان ينبغي له أن يحترز من إطلاقها، لعل الذي حمله على ذلك اقتفاء خطوات ابن حزم رحمة الله عليهما. وإلاَّ فأيّ دليل قوليّ يدل على وجوب خطبة الجمعة، وركنيّة ركعتين في صلاة العيد، ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، والبدء بالصفا، ووجوب ركوعات صلاة الكسوف، وسجود السهو، وغير ذلك.
دليل بطلان قول الندب:
التأسّي المطلوب شرعًا يقتضي المساواة في صورة الفعل، وفي حكم الفعل. وبدون ذلك لا يكون الفعل الذي نفعله تأسيًا. فمن لم يفعل ما يماثل الفعل النبويّ في الصورة فليس متأسيًّا، بل يكون مخالفًا (١). وكذلك مَن فعَل ندبًا ما فعله النبي ﷺ واجبًا، فذلك ليس تأسيًّا، بل هو نوع من المخالفة، أو هو أقرب إلى الابتداع.

(١) أبو الخطاب: التمهيد ق ٩٠ أ.

1 / 348