Ajnihat al-makr al-thalātha
أجنحة المكر الثلاثة
Publisher
دار القلم
Edition
الثامنة
Publication Year
١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م
Publisher Location
دمشق
فمن الوسائل التي اتخذوها لمحاربة العربية الفصحى محاولة صهر الشعوب الإسلامية المغلوبة بالشعوب الغالبة، وذلك بفرض لغة الغازين على أفراد الشعب المغلوب، وقد أخذ فرض لغة الغازين عدة أشكال وصور.
فمن ذلك جعل لغة المستعمرين لغة إجبارية في المدارس منذ المرحلة الابتدائية حتى المرحلة الجامعية فما فوق ذلك، واعتبارها هي اللغة الأولى في البلاد، مع إهمال اللغة العربية، بدعوى أنها لغة وطنية لا تحتاج إلى تعليم واسع، وهم يخلطون في هذا الكلام بين اللغة العامية المنتشرة وبين اللغة العربية الفصحى، لغة القرآن والسنة، ولغة العلوم العربية على اختلافها، لتنطلي الحيلة على أفراد الشعب، فلا يمر على الشعب المغلوب عقود من السنين حتى ينشأ فيه جيل ينطق بلغة المستعمرين، مثلما ينطق بها أهلها، وأما لغته العربية الأساسية فتصبح لغة منسية أو شبه منسية، حتى إذا أراد أن يتكلم بها أخذ يرطن فيها كما ترطن الأعاجم، متعثرًا بالحرف والكلمة وبالصياغة والتركيب، بَلْه قواعد النحو والصرف.
ثم يتبع ذلك الإلزام بأن تكون لغة المستعمرين هل لغة دوائر الحكومة، ودواوين الدولة، وهذه الصورة لون من ألوان الإلزام القهري للشعب المغلوب على أمره أن ينسى لغته الأساسية، ويحل محلها لغة الغزاة المستعمرين، ويرافق ذلك حرمان طالب العمل أو الوظيفة مما يطلبه ما لم يكن متقنًا للغة الغزاة المستعمرين إتقانًا جيدًا، وفي هذا أيضًا لون من ألوان الإكراه على صهر الشعب المغلوب صهرًا تامًا، باللغة التي يفرضها عليه غالبوه ومستعمروه.
وهذا ما حصل في بعض البلاد الإسلامية العربية، التي غدت زمرة كبيرة من أجيالها لا تحسن النطق إلا باللغة الأجنبية التي فرضتها عليها الدوائر الاستعمارية، بوسائلها التي تتسم بطابع الإكراه المباشر أو غير المباشر.
ونجم عن ذلك ابتعاد هذه الأجيال ابتعادًا كبيرًا عن مصادر الشريعة الإسلامية، حتى صار أحدهم وهو العربي الأصيل لا يحسن تلاوة سورة من سور القرآن الكريم، ولا يحسن قراءة حديث من أحاديث الرسول العظيم، أو قصيدة من الشعر العربي، أو كتاب قد كتب باللغة العربية، مهما كانت عباراته
1 / 355