وفي الطريق وتحديدًا وهم بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ (١) أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُزأَةٌ وَنَجْدَةٌ فَفَرِحَ أَصْحابُ رَسُولِ الله ﷺ حِينَ رَأَوْهُ فَلَمّا أَدرَكَهُ قالَ لِرَسُولِ الله ﷺ: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ وَأُصِيبَ مَعَكَ، قالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ"، قالَ: لا، قالَ: "فارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"، ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذا كان بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقالَ للنبي-ﷺ: كَما قالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقالَ لَهُ النَّبِي ﷺ كَما قالَ أَوَّلَ مَرَّة، قالَ: "فارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"، ثُمَّ رَجَعَ الرجل مرة أخرى وهم بِالْبَيْداءِ، فَقالَ لَهُ النبي ﷺ كَما قالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ"، قالَ الرجل: نَعَم، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: "فانْطَلِقْ" (٢).
وفي الطريق أيضًا ردَّ النبي ﷺ البراء بن عازب وابن عمر لصغرهما (٣).
وعلى الجانب الآخر فإن كفار قريش كادوا أن يرجعوا بلا قتال حيث تذكروا الذي كان بينهم وبين بني بكر من خصومة وخافوا أن يأتوهم من خلفهم فيُعينون عليهم جيش المسلمين، وبينما هم على ذلك إذ جاءهم إبليس في صورة سراقة بن مالك -وكان من أشراف بني كنانة- فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا (٤).
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ
(١) حَرَّةُ الوَبَرَة: موضع على نحوٍ من أربعة أميال من المدينة.
(٢) صحيح: أخرجه مسلم (١٨١٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة الاستعانة في الغزو بكافر.
(٣) صحيح: أخرجه البخاري (٣٩٥٦) كتاب: المغازي، باب: عدة أصحاب بدر.
(٤) "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٣٨ بإسناد مرسل عن عروة بن الزبير، وتشهد له الآية.