يقول: إذا لاقوا أعداءهم كانوا ثقالًا عليهم، واللقاء هاهنا مقصور على لقاء الحرب دون غيره. وأراد أنهم يخفون إذا دعوا للنجدة ولا يتثاقلون دون النصرة، والعرب تفتخر بذلك، قال الشاعر:
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان
كثيرٍ إذا شدوةا: أي: يفعلون أفعالًا عظيمة فيظن أنهم كثير. وشدوا: إذا حملوا في الحرب، ووصفهم بالقلة؛ لأنهم إذا انتصفوا من أعدائهم أو غلبوهم في قلة عددٍ فذاك أفخر لهم من الكثرة.
وقوله:
إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ ... رجال كأن الموت في فمها شهد
أي: حفت بي من كل جانب، ومنه قيل لجانب الشيء: حفاف، ووحد الفم في موضع الجمع؛ لأن الغرض معلوم، وإنما كان ينبغي أن يقول في أفواهها، وبعض العرب يقول: فم فيكسر الفاء، وبعضهم يقول: فم فيضم، وينشدون قول عنترة: [الكامل]
إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
بكسر الفاء، وقال قوم: تضم الفاء في حال الرفع، وتكسر في حال الخفض، وتفتح في حال النصب، وقد حكوا فم، بالتشديد، قال الراجز: [الرجز]
يا ليتها قد خرجت عن فمه ... ريح تنال الأنف قبل شمه