فانظر وتأمل في هذا الوصف، وقارنه مع ما كان عليه رسول الله ﷺ، أليس حقًا إذا قلنا: إنه مجدد سنة الأخلاق النبوية الشريفة؟ وأظن أنك وقفت على ذلك القلب الكبير الذي أعفى المعتصم ومن معه ممن شاركوا في تلك المحنة، وحلَّلهم من تبعاتها إلا مبتدعًا مضلًا، وأعقب ذلك بقوله: وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سبيلك (١).
هذه الجاذبية أفاءت على أصحابه وملازميه قدوة في السلوك، ومثالًا يحتذى في الأخلاق التي يجب على العالم أن يلتزم بها، ولا ريب أن الإنسان يتأثر بالشعاع المسلط عليه، والخلة والصحبة تنقل السجايا والأخلاق والصفات، كما قالوا:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وإن المتقلب بين صفحات تراجم أئمة المذاهب الفقهية، مطالعةً ودراسةً، ليجد تميزًا واضحًا لدى الحنابلة، يتمثل بتأثير سيرة الإمام على المنهج العلمي والعملي على سواء.
فاهتمام الحنابلة الكبير بالسنة والآداب، والإقتداء بالسلف لم يكن إلا صورة منعكسة لما كان عليه أحمد بن حنبل ﵁ في هذا الجانب، فقد ألزم نفسه أن لا يكتب حديثًا إلا وقد عمل به، حتى مر به أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا، فأعطى الحجام دينارًا حين احتجم (٢).
قال الذهبي: وإلى الإمام أحمد المنتهى في معرفة السنة علمًا وعملًا، وفي معرفة الحديث وفنونه، ومعرفة الفقه وفروعه، وكان رأسًا في الزهد والورع والعبادة والصدق (٣).
وهكذا كان الإمام أحمد يفضل لنفسه أن يعيش حياة سلفية خالصة، مع أنه كان في عاصمة الحضارة الإسلامية التي قد تجمعت فيها كل أسباب النعيم والرفاهية، وقد تجرد من جميع ملابسات العصر، ومناحراته، وما يجري من منازلات فكرية وسياسية أو اجتماعية أو حريية، واختار أن يحلق في جو الصحابة والصفوة من التابعين، ومن جاء بعدهم، ممن نهج نهجهم، واختار سبيلهم.
ولأجل ذلك كان علمه وفقهه هو السنة بعينها، لا يخوض في أمر إلا إذا علم أن الصحابة خاضوا فيه، فإن علم بذلك اتبع رأيهم، ونفى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه، واستعصم متوقفًا حذرًا، فلا يقفو ما ليس له به علم،
(١) السير ١١/ ٢٦١.
(٢) السير ١١/ ٢١٣، ٢٩٦.
(٣) السير ١١/ ٢٩٢.