ففي ترجمة الحسن بن علي البربهاري (٣٢٩ هـ) نجده موصوفًا بأنه: "شيخ الطائفة في وقته، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع، والمباينة لهم باليد واللسان" (١).
وقد مر معنا (٢) أن الخرقي (٣٣٤ هـ) توفي بالشام متأثرًا بآثار الضرب الذي ناله في سبيل إنكار منكر رآه هناك.
وفي ترجمة علي بن الحسين العُكبَري: "الأمَّار بالمعروف النَّهاء عن المنكر" (٣).
وفي ترجمة طاهر بن الحسين: "كان زاهدًا أمَّارًا بالمعروف نهَّاء عن المنكر" (٤).
ومن صور تلك الوقائع التي سجلها التاريخ في مدينة السلام بشأن القيام الجماعي بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما حصل مع الشريف أبي جعفر (٤٧٠ هـ) الذي انتهت إليه الرحلة في وقته لطلب مذهب الإمام أحمد. قال المؤرخون عن تلك الواقعة الشهيرة:
"وفي سنة ٤٦٤ هـ اجتمع الشريف أبو جعفر ومعه الحنابلة في جامع القصر، وأدخلوا معهم أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه. وطلبوا من الدولة قلع المواخير (٥) وتتبع المفسدين والمفسدات، ومن يبيع النبيذ، وضرب دراهم تقع بها المعاملة عوض القراضة. فتقدم الخليفة بذلك، فهرب المفسدات، وكُبست الدور، وأريقت الأنبذة، ووعدوا بقلع المواخير، ومكاتبة عضد الدولة برفعها، والتقدم بضرب الدراهم التي يتعامل بها، فلم يقنع الشريف ولا أبو إسحاق بهذا الوعد، وبقي الشريف مدة طويلة متعتبًا مهاجرًا لهم" (٦).
ويقيت سنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفوف الحنابلة محفوظة إلى يومنا هذا، ولأجل ذلك كان من أوائل الهيئات الحكومية تكوينًا في المملكة العربية السعودية "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ليحتسب على الناس في شؤون العبادات والمعاملات الظاهرة العامة.
وإذا كان الحنابلة -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- قد أبلوا في إعطاء الأمر بالمعروف أهميته التنفيذية، وإقامة جانبه العملي، فقد قاموا برسم معالمه الفقهية وأحكامه الشرعية، حتى لا يكون
(١) الطبقات، لإبن أبي يعلى، ٢/ ١٨.
(٢) في الصفحة ٢١١.
(٣) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١١.
(٤) المصدر السابق: ١/ ٣٩.
(٥) جمع ماخور، وهو المكان الذي تباع فيه الخمر، أو هو مجتمع الفُسَّاق.
(٦) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٨، البداية والنهاية ١٢/ ١٠٥.