جواب هذه الدعوى:
هذه هي النقول التي وردت في اتهام الطوفي بالتشيع والرفض في مصادر ترجمته، وبنظرة فاحصة إليها يتضح أن نجم الدين الطوفي كان قد احتل منزلة سامية بين علماء القاهرة، جعلت أستاذه سَعد الدين الحارثي يكرمه، وينزله في دروس، ويبدو أن الطوفي في هذه الفترة كان كثيرَ الهموم العلمية، تشغلُه مسائل لم يصل في دراستها إلى مرحلة النضج، ويُلهِبُ الشك فكرَه في بعض الأمور، وكان يرى وقوف العلماء على أنماط ثابتة، ورسوم موروثة، فلا يُعجبه هذا. وهو ما يفسر ما وقع بينه ويينَ أستاذه الحارثي من كلام في الدرس، اقتضى أن يقومَ عليه ابن أستاذه، واستطاع خصومُه أن يجمعوا من البيِّنات، مِن فَلَتات لسانه، ويعضِ شعره، وربمَا زادوا فيه إلى الحد الذي أدى إلى تعزيره وحبسه، والتشهير به، ثم نفيه، وقد ذكر ابن رجب (١) عن المطري، حافظ المدينة ومؤرخها، أن الطوفي بعد سجنه نُفِيَ إلى الشام، فلم يمكنه الدخولُ إليها، لأنه كان قد هجا أهلَها وسبَّهم، فخشي منهم، فسار إلى دمياط، فأقام بها مدة، ثم توجَّه إلى الصعيد، إلا أن الدلائل كُلَّها تشير بعد ذلك إلى استقامة فكره، ونضوج علمه، فلم يَرَ منه الناسُ ولم يسمعوا ما يَشِين، كما تقدَّم نقلُه.
وأمَّا ما ذكر ابنُ رجب أنه من دسائسه الخبيثة، فليس فيه ما يقومُ دليلًا على اتهامه، وهو يحكي عن قوم رأيهم في نتائج تأخُّر تدوين السنة، ولو كان رافضيًا، لما تحدث عن رواية الصحابة لحديث رسول الله ﷺ، فالشيعةُ لا يُقرون من الحديث إلا. ما جاء عن أئمتهم.
وأما قولُه عن اتهامه بالرفض: إنه يلوح في كثير من تصانيفه. فكلام بغير بينة، وقد عقد الدكتور مصطفى زيد فصلًا نفى فيه عن الطوفي تهمة التشيع، ودرس كتبه الموجودة، ونقل منها نصوصًا كثيرة تنفي عنه التشيع والرفض، بل تقول في الرافضة أعْنَفَ مما يقول أعداؤهم (٢).
وعلى الرغم مما تقدم من أن الطوفي استقام أمرُه حين وصل إلى قوص، ولم ير منه الناس أو يسمعوا ما يَشيِن، إلا أن ابنَ رجب يرفض ذلك كلَّه، ويقول: "وقد ذكر بعضُ
(١) ذيل طبقات الحنابلة ٢/ ٣٧٠.
(٢) المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي، صفحات ٧٤ - ٨٨.