أمير المؤمنين. والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، لا يترك. وقسمة الفيء، وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة؛ ومن دفعها إليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا.
وصلاة الجمعة خلفه، وخلف من وَلَّى جائزة تامة ركعتان، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل جمعته شيء إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم. فالسنة أن يصلي معهم ركعتين، ويدين بأنها تامة، لا يكنْ في صدرك من ذلك شك.
ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين -وقد كان الناس اجتمعوا عليه، وأقروا له بالخلافة، بأي وجه كان بالرضا والغلبة- فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ، فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.
ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس، فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق" (١).
ونلاحظ كيف يبني أحمد الإمام رأيه في الموضوعات السياسية، على الآثار والاتباع للسنة والسلف، وذلك واضح في قوله: " ... فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنة ... "
وقوله: " ... فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ ... ".
ويقول الشيخ أبو زهرة في هذا الصدد:
ولقد كان مسلك أحمد في دراسته لبعض النواحي المتصلة بالسياسة رجلًا يتبع الأثر، ولا يتجانف عن مسلكه، وكان بالنسبة لآرائه في الصحابة، يتبع المنقول، وما كان عليه الكثرة من الصحاية والتابعين، ﵃ أجمعين، فهو في هذا أثري، كشأنه في كل ما كان يتجه إليه من دراسات.
وفي شأن الخلافة والخليفة، وممن يختار، وكيف يختار، كان رجلًا واقعيًا يتجنب الفتن، ويجتهد في أن يكون شمل المسلمين ملتئمًا، ويؤثر الطاعة لإمام متغلب، ولو كان ظالمًا، على الخروج على الجماعة (٢).
(١) الطبقات ١/ ٢٤٤.
(٢) ابن حنبل ص ١٦٦.