لكن يُقال: هو فعل الأفعال بإرادته، فالوجود كله بمشيئته، لكنه يحب ويرضى شيئاً دون شيء، وذلك في مفعولاته وأفعال عباده، فهو فعل لوجود ما يحبه ويرضاه، ومراده وجود المحبوب المرضي، وهو ألوهيته، وكونه هو المقصود المراد، وإن كان في ضمن ذلك قد فعل ما أراده، وهو لا يحبه ويرضاه، لأن فعله له وسيلة إلى ما يحبه ويرضاه، فهو مراد بالقصد الثاني وقد بسطنا في غير هذا الموضع(١) من كلامنا في القدر، وتكلمنا على أنواع تتعلق بذلك.
ومن هنا يعرف قوله عليه الصلاة والسلام: (والشرّ ليس إليك)(٢)، فإن الله إليه المنتهى من جهة إلهيته، والشر لا ينتهي إليه، ولا يصعد إليه، ولا يصل إليه، ولا يحبه، ولا يرضاه، فهو قطع له من جهة الألوهية، وهذا نحو قول من قال: ((لا يتقرب به إليك))(٣).
معنى: والشر ليس إليك.
(١) انظر: منهاج السنة (١٥٤/٣) و(٣٢١/٥، ٣٩٥).
(٢) تقدم تخريجه (٥٨/١).
(٣) قال النووي - رَحِمَهُ اللهُ - في شرحه على صحيح مسلم (٥٩/٦): ((فيه خمسة أقوال، أحدها: معناه لا يتقرب به إليك، قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شميل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن خزيمة والأزهري، وغيرهم.
والثاني: حكاه الشيخ أبو حامد عن المزني، وقاله غيره أيضاً، معناه: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا رب الشر ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم.
والثالث: معناه والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح.
والرابع: معناه والشر ليس شراً بالنسبة إليك، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.=