Al-Mawsūʿa al-ʿAqdiyya
الموسوعة العقدية
Publisher
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
لقد تقدم ذكر الأدلة الدالة على أن أول ما يكلف به المكلف: عبادة الله جل وعلا ومما يؤكد تلك الحقيقة هو أن الله تعالى نص على محل النزاع بين الرسل وأقوامهم بقوله: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء: ٤٦]. أي أنهم يولون مدبرين عند طلب عبادة الله وحده دون غيره، ويوضحه كذلك قوله: ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر: ١٢].
ولذلك بعث الله رسله بالتوحيد وترك الشرك فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥].
وعلى هذا يكون تقرير هذه الحجة بأمرين:
الأول: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًا لدعاهم إليه أولًا – إذ الأمر بتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده (١).
الثاني: لو لم يكن الإقرار بالله تعالى وبربوبيته فطريًا لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: فَاعْبُدُونِ أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلًا فكيف يأمرنا، فلما لم يحدث ذلك دل على أن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم (٢).
ويؤيده الدليل الثالث الذي سيأتي ذكره إن شاء الله. ولم يعرف من ينكر وجوده من أقوام الرسل إلا ما كان من فرعون، ومع هذا فإنكاره كان تظاهرًا ولم يكن باطنًا كما قال تعالى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ [الإسراء: ١٠٢] وقال: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: ١٤].
٣) إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية (٣):
..... ووجه الدلالة: إن المشركين لو لم يكونوا مقرين بربوبية الله تعالى لما قررهم به، ولهذا كانت تقول الرسل لقومها: أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى [إبراهيم: ١٠].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فدل ذلك على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين، وهذا يبين أنهم مفطورون على الإقرار) (٤) اهـ.
٤) التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالرب وتوحيده وحبه في الأدلة السمعية:
قال رسول الله ﷺ «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» (٥) والصوب أن الفطرة هنا هي فطرة الإسلام، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة، وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحدًا لله فإن الله تعالى يقول: وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: ٧٨] وإنما المراد أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام ولمعرفة الخالق والإقرار به ومحبته. ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئًا بعد شيء وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع (٦).
والأدلة القاضية بصحة هذا التفسير كثيرة منها:
أولًا: ورود روايات لهذا الحديث تفسر الفطرة منها قوله ﷺ: «على هذه الملة» (٧).
(١) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ١٣٠ - ٨/ ٤٩١).
(٢) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٤٠).
(٣) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٧٩).
(٤) «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٤١).
(٥) رواه البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٦) انظر: «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٣٨٣).
(٧) رواه مسلم (٢٦٥٨). من حديث أبي هريرة ﵁.
1 / 184