خوفَ انجرارهِ إلى غيره، وتَرْكُهُ الغَنيمَةَ والسَّلامة ينافي حال المؤمن؛ إذْ لا أَمَانَ ولا إيمانَ لمن فاتَهُ ذلك، فللإنسان في كلامِهِ وسُكُوتِهِ رِبحان ينبغي تحصيلهما: كلام في خير، وسكوت عن شَرٍّ، وخَسَارَتان ينبغي تجنُّبهما: كلامٌ في شر، وسكوتٌ عن خيرٍ، وهذا راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقوله ﵊: "أَمْسِكْ عليْكَ لِسَانَكَ" (١)، "وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على مَنَاخِرِهِمْ أو وُجُوهِهم إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! ".
وقوله: "كُلُّ كَلام ابنِ آدمَ عليه لَا لَهُ، إلَّا ذكْر اللهِ، أو أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ" (٢).
وقوله: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله ما يُلْقِي لها بالًا يَهوي بها في النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٣)، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ظاهِرُها يَشْمَلُ المباح أيضًا، وإن كان ابن عباس وغيره خصها بغيره.
(١) هذا والذي بعده جعلهما المؤلف حديثًا واحِدًا، والصّواب أنهما حديثان، أما هذا فهو من حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: "قلتُ: يا رسولَ الله! ما النَّجاةُ؟ قال: أمسِك عليكَ لسانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابكِ على خَطِيئَتِكَ".
رواه التِّرمذيُّ (٤/ ٢٠٨ رقم ٢٤٠٦)، وأحمد (٢٨/ ٥٦٩ رقم ١٧٣٣٤، ١٧٤٥٢)، وابن المبارك في "الزهد" (٤٣ رقم ١٣٤)، وهناد في "الزهد" (١/ ٢٦٥ رقم ٤٦٠)، وابن أبي الدُّنيا في "الصمت" (١٧٥ رقم ٢)، و"العزلة" (٤٨ رقم ١)، وعبد الله في زوائد "الزهد" (١٥)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٧٠ رقم ٧٤١، ٧٤٣)، وابن البُنا في "الرسالة المغنية" (٤٧ رقم ٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٢/ ٧٣٦ رقم ١١٠١). وهو حديثٌ صحيحٌ، وقد حسَّنه التِّرمذيُّ، وصحح الألباني في "الصحيحة" (٢/ ٥٨١ رقم ٨٩٠)، و"صحيح الترغيب" (٣/ ٨٤).
أَمَّا الذي بعده فهو قِطعةٌ من حديث معاذ سيأتي برقم (٢٩) في ضمن "الأربعين".
(٢) رواه التِّرمذيُّ (٤/ ٢١٢ رقم ٢٤١٢)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٥ رقم ٣٩٧٤)، وأبو يعلى (١٣/ ٥٦ رقم ٧١٣٢، ٧١٣٤)، والحاكم (٢/ ٥١٢) من حديث أم حبيبة ﵂، والحديث ضعيف فيه أم صالح مجهولة. وقد استغربه التِّرمذيُّ، وضعّفه الألباني. انظر: "ضعيف الترمذي" (٤٢٤).
(٣) رواه البُخاريّ (٨/ ١٠٠ - ١٠١ رقم ٦٤٧٧، ٦٤٧٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٩٠ رقم ٢٩٨٨) عن أبي هريرة ﵁. وليس فيه: "سبعين خريفًا". =