والله يغضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ... وبُني آدمَ حينَ يُسْأل يَغْضَبُ (١)
فقد ذاق طعمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بمولاه وأعرضَ عمن سِواه، وما أحسن قول الخليل لجبريل ﵇ في تلكَ الحالة -لمَّا قال له: ألكَ حاجةٌ؟ -: "أَمَّا إليكَ فلا" (٢).
سَلِّم الأمرَ إلى مالكه ... فلهُ العِلمُ المُحيطُ الواسِعُ
واطْلب المَعْرُوفَ منهُ دائمًا ... فهوَ مُعْطِي ذاكَ وهوَ المانِعُ
وإذا كان الرِّزقُ قدْ قُسِم، والعَطاءُ قد حُتِم، فحقيقٌ على العَبْدِ الضَّعيف الاعتماد والسُّكون، والإجمال في الطلب مما كان وسيكون، وقلوبُ الخَلْق بيَدِه، ومَفاتيحُ الخزائن تحتَ قُدْرَتهِ، وبِقَدْر ما يميل العبدُ إلى المخلوق بَعُدَ عن المولى، فكيفَ بتركِ عين اليقين إلى مَن لا يقدِرُ على فتيلٍ ولا قِطْمِير؟!
السابع: ثُمَّ أَكَّدَ ذلك فقال: "واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعت .. " إلى آخره، في النّفع والضر، فالكُلُّ بيَدهِ: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧] أي: وحِّد الله في لحوق الضر
(١) انظر البيت في "شعب الإيمان" للبيهقي (٢/ ٣٦١ رقم ١٠٦٥) وهو في شروح "الأربعين".
(٢) رواه البيهقي في "الشعب" (٢/ ٣٥٢ رقم ١٠٤٥) عن بشر بن الحارث الحافي موقوفًا! ولم يَرِدْ فيه شيءٌ مرفوعٌ صحيح حسب علمي، والأثر ظاهره مخالِفٌ للسُّنة مِن حيث الاستعانة بمن يقدر على إعانتك، فجبريل ﵇ يستطيع إعانة إبراهيم ﵇؛ لانهُ داخِلٌ تحتَ قُدرةِ جبرِيل وطاقته فلماذا لا يستعين به إبراهيم؟! وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "من استَطَاعَ مِنكُم أنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فليفعَل". رواه مسلم (٤/ ١٧٢٦ رقم ٢١٩٩). [وانظر: "شُعَب الإيمان" (٢/ ٤٢٣ وما بعدها)].
والثابت في البخاري (٦/ ٣٩ رقم ٤٥٦٣) أن إبراهيم ﵇ لَمَّا أُلقِيَ في النار قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" فقط وليس فيه ذِكر لجبريل ﵇ وبالله التوفيق.