المبحث الثالث
الفرق بين القاعدة الفقهية والنظرية الفقهية العامة
اتضح لنا مما تقدم أن القواعد الفقهية هي تلك الأصول والنواظم، التي تنتظم في كل منها مجموعة من الفروع والجزئيات انتظاماً أغلبياً، بحيث قد تتخلف عنها بعض أخواتها من الجزئيات التي تجتذبها أصول ونواظم أخرى. ولذلك كانت هذه القواعد الفقهية من حيث قوة أحكامها أغلبية أكثرية، لا مطردة، قال الإمام الشاطبي: ((لما كان قصد الشارع ضبط الخلق إلى القواعد العامة، وكانت العوائد قد جرت بها سنة الله أكثرية لا عامة، وكانت الشريعة موضوعة على مقتضى ذلك الوضع، كان من الأمر المُلْتَفَت إليه إجراء القواعد على العموم العادي، لا على العموم الكلي التام الذي لا يختلف عنه جزئي ما))(١).
والسبب في كونها أغلبية لا مطردة هو أنها ((إنما تصور الفكرة الفقهية المبدئية التي تعبر عن المنهاج القياسي العام في حلول القضايا وترتيب أحكامها، والقياس كثيراً ما ينخرم ويعدل عنه في بعض المسائل إلى حلول استحسانية استثنائية لمقتضيات خاصة بتلك المسائل تجعل الحكم الاستثنائي فيها أحسن وأقرب على مقاصد الشريعة في تحقيق العدالة، وجلب المصالح، ودرء المفاسد، ودفع الحرج))(٢). ومن ثم يقرر الشيخ مصطفى الزرقا أن
(١) الموافقات: ١٦٩/٣.
(٢) المدخل للزرقا: ٩٤٨/٢.