الفروع والجزئيات والمسائل والنوازل التي تستجد يوماً عن يوم، والتي لا يمكن حصرها إلا بها، فإذا لم تستخدم لذلك، ولم يبرز جانبها الفقهي التطبيقي، كانت حينئذ مجرد نظريات ودراسات جدلية لا صلة لها بواقع الشرعية الإسلامية، يقول الإمام الزنجاني الشافعي يؤكد هذا المبدأ، ويقرر أن وظيفة أصول الفقه هي وظيفة فقهية محضة، وأن الخروج بهذه الأصول عن ذلك هو تعطيل لعملية الاستنباط والتخريج والتفريع، منشؤه الجهل بطرائق ذلك وقواعده، يقول رحمه الله: «لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط، ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها التي هي أصول الفقه، لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غايتها، لها أصول معلومة، وأوضاع منظومة، ومن لم يعرف أصولها لم يخط بها علماً»(١).
وإذا كانت القواعد الأصولية والفقهية تشتركان في هذا القدر من الخصائص، فإن مسالكهما وطرائق تكوين كل منهما تختلف من إحداهما إلى الأخرى. ذلك أن القاعدة الأصولية منشؤها النص الشرعي وما تحفه من دراسات لغوية وبيانية، واستقراء للأساليب والصيغ العربية، وعلوم قرآنية وحديثية. فمن هذه العناصر والمقومات نشأت القاعدة الأصولية وتخلقت، ثم صارت ناضجة كاملة مستوية. أما القاعدة الفقهية فهي لم تنشأ إلا بعد مباشرة القضايا الحياتية ومواجهتها باستنباط ما يناسبها من
(١) تخريج الفروع على الأصول: ص٣٤.