الترتيب المنطقي لهما - إلا ما كان يصاحب وقت صدور النصوص التشريعية من هذه الجزئيات والقضايا التي تعتبر في كثير من الأحيان أسباباً لسياق هذه النصوص وصدورها - فالفقيه ينطلق من هذه القواعد الأصولية لمباشرة القضايا. أما القواعد الفقهية فهي متأخرة عن الجزئيات؛ لأنها إنما نشأت من خلالها.
٤- إن القواعد الأصولية يرجع إليها الفقيه للاستنباط والتخريج والتفريع بحثاً عن الأحكام الشرعية لما يستجد من الوقائع والأحداث. أما القواعد الفقهية فإنما يرجع إليها الفقيه لاستحضار المسائل الفقهية المتشعبة، المبثوثة في أبواب الفقه الإسلامي، فهي توفر له الوقت، وتغنيه عن البحث الطويل في بطون الكتب.
٥- إن القواعد الأصولية هي قواعد مطردة، أما القواعد الفقهية - كما تقدم - قواعد أغلبية لوجود حالات استثنائية، وصور خاصة، تتخلف فيها بعض جزئياتها. ومن ثم لا يكفي أن يقتصر عليها المفتي أو القاضي في استجلاب الأحكام الشرعية لما يعرض عليه من النوازل والخصومات، بل لابد من الرجوع إلى النصوص التشريعية، واستنطاقها في ضوء القواعد الأصولية لشموليتها وقوتها في الاستيعاب والاحتواء. ولأجل ذلك نبهت مجلة (١) الأحكام العدلية العثمانية على أن القواعد الفقهية الكلية
(١) مجلة الأحكام العدلية: ألفتها لجنة من العلماء بأمر من الدولة العثمانية سنة ١٢٨٦هـ. وهي عبارة عن مجموعة من الأحكام والتقنيات في جانب المعاملات والتشريع المدني، في ضوء الفقه الإسلامي على مذهب الحنفية. تضم في ذلك (١٨٥١) مادة، رقمت ترقيماً متسلسلاً ليسهل الرجوع إليها، وقد صدرت هذه المواد بتعريف للفقه وتقسيمه، ثم بتسع وتسعين قاعدة فقهية كلية، أفرد لكل قاعدة منها مادة مستقلة، فكان مجموع المواد في المقدمة التعريفية والقواعد الفقهية: مائة مادة.