والعلمية التي تتولد من خلالها القواعد الفقهية، كما أننا من معاني هذه الألقاب، نستطيع أن نتصور مكانة هذه القواعد وقيمتها العلمية، ومنزلتها في الفقه الإسلامي.
ولذلك لا غرابة في أن نجد الإمام القرافي يعلي من شأنها، ويشيد بمكانتها في الفقه، وقيمتها في علم الفروع، وأن الفقيه والمفتي، هو بدونها لا شيء، وأنه بها هو كل شيء، يقول رحمه الله: وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجذع(١)، وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنطت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضبط الفقه بقواعده، استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح لما أشرق فيه من البيان، فبين المقامين شأو(٢) بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد(٣).
(١) الجذع من الإِبل: ما أوفى السنتين. والقارح منها: ما أوفى خمس سنين. ومراد القرافي من ذلك: أنه لا يبرز في هذا العلم إلا من تضلع فيه.
(٢) يعني أن بينهما بعداً كبيراً.
(٣) الفروق: ٣/١.