وما ذكره - رحمه الله - في بداية كلامه من أن القواعد الفقهية هي التي توضح وتجلي مناهج الفتوى، لا يتناقض مع ما سبق لي تقريره من أن الرجوع إلى القواعد الفقهية لا يكفي في الإفتاء والقضاء؛ لأن القرافي إنما يقصد بذلك أن عملية الفتوى تسهل وتتقرب مسالكها، وتذلل سبلها، حينما يضبط الفقيه المفتي هذه القواعد ويحفظها. وعباراته - رحمه الله - كلها ناطقة شاهدة بأن وظيفة القواعد الفقهية وأهميتها تبرز في كون الفقيه يستطيع بواسطتها جمع شتات مسائل الفقه وفروعه ((ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات ... )).
وهكذا نتبين من كلام القرافي أن أبرز ما يصور لنا أهمية القواعد الفقهية هو كونها تجمع شتات المسائل الفقهية، وتربط بين المتناثر من فروع الفقه، فيسهل استحضاره على الفقيه أي وقت شاء، وهو أمر ييسر عملية الإفتاء ويقربها، ويوفر فيها الوقت وعناء البحث.
ومثل هذه المزية يؤكد عليها ابن رجب الحنبلي حينما يصف القواعد الفقهية بأنها ((تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد))(١).
ولا تكاد تجد فقيها كتب في موضوع القواعد الفقهية إلا ويذكر هذه المزية، ويشيد بها، ويمتدح بها القواعد الفقهية، يقول السيوطي في ذلك أيضاً: ((اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم به يطلع على حقائق الفقه
(١) قواعد ابن رجب الحنبلي: ص ٣.