الليل الداج(١)، يدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلا، وينصب نفسه للتأليف والتحرير بياتاً ومقيلاً(٢) ... ثم يقول بعد كلام من هذا القبيل: ((إن بدت له شاردة ردها إلى جوف الفرا، أو شردت عنه نادرة اقتنصها ولو أنها في جوف السماء، له نقد يميز به بين الهباب والهباء، ونظر محكم - إذا اختلفت الآراء - بفصل القضاء(٤) ... )) وهو هنا يحدد المادة والأدوات والوسائل التي يحتاج إليها الفقيه أثناء صياغة القاعدة، فهو - أي الفقيه - يحتاج - في ذلك - إلى جمع الفروع المتجانسة وجعلها في عقد واحد: ((إن بدت له شاردة ردها إلى جوف الفرا)). والفرا هو حمار الوحش، وقد استعاره السيوطي هنا للقاعدة؛ لأن من اصطاد الفرا فكأنما قد اصطاد الصيد كله، لذلك قالت العرب في أمثالها: ((كل الصيد في جوف الفرا!))، فكذلك القاعدة بالنسبة لجزئياتها. ثم إن ضبط الجزئيات هكذا وجعلها في إطارها، وسلكها الذي ينظمها يتطلب من الفقيه فكراً ثاقباً، وفهماً جيداً، وملاحظة دقيقة ليستطيع التمييز بين ما تجانس وتشابه من الجزئيات، وما تباين واختلف منها، فيلحق كلا منها بإطاره المناسب له، وخصوصاً حينما تدق الجزئيات ويشتبه بعضها ببعض، فيتبادر إلى
(١) الليل الداجي: شديد السواد. وحذف الياء مراعاة للفاصلة بسبب ما التزم به من السجع.
(٢) المقيل: وقت القيلولة. والبيات: وقت النوم.
(٣) الأشباه والنظائر: ص ٢ - ٣.
(٤) المصدر السابق: ص٣.