الذهن - للمرة الأولى - أنها متجانسة، وأنها تندرج في قاعدة واحدة، مما جعل السيوطي يشترط في الفقيه أن يكون له نقد يميز به بين الهباب والهباء، يريد بذلك أن يكون دقيق الملاحظة إلى درجة التمييز بين ما يظهر أنه متجانس كالهباب والهباء، فهماً بمعنى واحد، وهو صغار الذر الذي يرى في البيت على ضوء الشمس(١)، والفرق بينهما في غاية الدقة؛ لأن الأول يهب ويتحرك ويلفح دون الثاني.
وإلى جانب هذه المعالم من الأهمية والمكانة التي تحتلها القواعد الفقهية، فإنها تمثل - من جانب آخر - فلسفة الفقه الإسلامي وقمته وصيارته، وهي تبلور العقلية الفقهية القادرة على التجميع والتأصيل، كما تكشف أيضاً عن الملكة العلمية، والطاقة الذكائية والحفظية التي استطاع - ويستطيع - بها الفقهاء المسلمون أن يصوغوا مسائل الفقه وفروعه المتكاثرة في قوالب وأطر جامعة حافظة، كما استطاعوا بها أن يمعنوا الملاحظة، ويدققوا النظر بين ما اشتبه منها واختلط. وكل ذلك حفاظاً على هذه الشريعة الإسلامية، وحرصاً على أن يخضع لها كل ما تعج به الدنيا من الأحداث والنوازل الصغيرة والكبيرة، الفردية والجماعية.
وتقعيدهم هذا لعلم الفقه ليس عملاً فريداً إذا ما قارناه بغيره من العلوم الإسلامية الأخرى، بل إننا نجدهم قد قعدوا أيضاً النحو والبلاغة والمنطق والحديث والأصول، وسائر ما بحثوه من العلوم الأخرى، غير أن اهتمامهم بالعلوم الشرعية فاق كل اهتمام آخر، بل هم قد اعتبروا العلوم
(١) انظر: القاموس المحيط: ١٤٤/١. ومختار الصحاح للرازي: ص ٧١٥.