والفكرية والسياسية والعسكرية وغيرها... هو أشد حاجة إلى الفكر التقعيدي الأصولي الذي يستطيع به أن يرد كل قضية وكل مشكلة إلى جوف الفرا - على حد تعبير السيوطي -. كما أنه محتاج إلى استنطاق ذلك التراث الفقهي الزاخر بقواعده الفقهية، الذي دون فيه الفقهاء عصارات جهودهم ومنتهى ما وصلوا إليه في عملية التقعيد والتأصيل وطرائق الاستنباط وأساليب الفهم والتفقيه.
بل لا أكون مبالغاً إذا قلت: إن أسلوب التقنين والدراسات القانونية بمختلف شعبها، التي بلغ فيها اليوم الغرب وعلماء القانون إلى مرحلة بعيدة المدى؛ لا يستغني عن هذا الفكر التقعيدي التأصيلي بل به يكتمل وينضج.
والأمة الإسلامية اليوم، تستطيع بهذا الفكر التقعيدي والمنهاج التأصيلي العام، وبما لديها من تراث فقهي زاخر بالأقوال الاجتهادية والقواعد الفقهية الكلية، أن تستوعب كل هذه التطورات الحياتية، والمستجدات العصرية التي جل عنها الوصف والحصر.
وهذه الحقيقة الضخمة، يستشعرها ويؤكدها حتى كبار القانونيين أمثال السنهوري وغيره، فهم يشهدون للفقه الإسلامي بأنه غني بمواد وعناصر لو تولتها يد الصياغة فأحسنت صياغتها لصنعت منها نظريات ومبادئ تضاهي - بل تفوق - في رقيها وشمولها ومسايرتها للتطور، أعظم النظريات الفقهية التي يفخر بها اليوم الغرب الحديث، ويتلقاها عنه الناس هنا وهناك على أنه مبدعها، وهي موجودة في فقهنا منذ بضعة عشر قرناً