المبحث الثاني
قاعدة اليقين لا يزول بالشك
هذه القاعدة من أمهات القواعد الفقهية، ومعناها: أن الأمر الثابت باليقين لا يرتفع بمجرد طروء الشك عليه، فإذا ثبت بين اثنين عقد من العقود ثبوتاً يقينياً، ثم وقع الشك في فسخه، فالمعتبر هو بقاء العقد؛ لأنه ثابت باليقين، ولا عبرة بالفسخ؛ لأنه ثابت بالشك وهكذا في كل الصفات والأحوال الثابتة باليقين؛ فإنها لا تزول إلا باليقين، أما الشك فلا يؤثر فيها.
وقد اتفق الفقهاء على هذه القاعدة، واعتبروها أصلاً من أصول الشريعة(١). ومستندهم في ذلك حديث عباد بن تميم عن عمه أنه شُكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))(٢) وبمقتضى الحديث يكون من تيقن الطهارة وشك في الحدث محكوماً له ببقائه متطهراً. قال النووي: ((وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي
(١) انظر: الفروق: ١١١/١. الفرق العاشر. وتأسيس النظر للدبوسي: ص ٦. وأصول الكرخي: ص ٨٠. وقواعد ابن رجب: ص ٣٦٩. (قاعدة: ١٥٩). وانظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ٤٩/٤. والإحكام لابن حزم: ٧٧٣/٥ وما بعدها.
(٢) رواه الجماعة إلا الترمذي (انظر: نيل الأوطار: ٢٠٣/١) لكنه أخرج في هذا المعنى حديثاً عن أبي هريرة أنه قال: ((إذا كان أحدكم في المسجد ووجد ريحاً بين إليتيه فلا يخرج حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)).