279

Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

طلق إحدى زوجاته أم لا؟ فإنهم يحكمون له ببقاء جميع زوجاته في عصمته. لكن من تيقن أنه طلق زوجته وشك هل طلقها واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثاً؟ فإنهم يعتبرونه قد طلقها ثلاثاً. وكذلك لو تيقن طلاق إحدى نسائه وشك في عينها، فنساؤه كلهن طوالق. والحجة في ذلك كله هو الاحتياط الشرعي(١).

وقد أثار ذلك حفيظة ابن حزم الظاهري، كعادته مع الفقهاء، فوصف ذلك بأنه دعوى عارية عن البرهان، وأنه تفريق بين ما لا يفترق. وأنه لو صح ذلك لكان التيقن بوجود قاتل في جماعة، والشك في عينه، يستلزم قتل الجماعة كلها. وأن التيقن بوجود زان محصن في جماعة، والشك في عينه يستلزم رجم الجماعة كلها، ومثل ذلك في السارق، وهكذا ...(٢).

والحق أن إنكار ابن حزم على المالكية تفريقهم بين صور الشك في الطلاق، يعضده الاستدلال، لكن استلزاماته التي رتبها على ذلك باطلة، إذ الفرق شاسع بين الطلاق وسائر ما ذكره من الأمور الأخرى. ولست أدري كيف غابت عنه قاعدة: درء الحدود بالشبهات؟

والاحتياط الشرعي الذي يحتج به المالكية في هذا التفريق مرفوض عند ابن حزم، بل هو عنده تشريع لم يأذن به الله. يقول رحمه الله: ((وكل احتياط أدى إلى الزيادة في الدين ما لم يأذن به الله تعالى، أو إلى النقص منه، أو إلى تبديل شيء منه، فليس احتياطاً ولا هو خيراً، بل هو هلكة وضلال، وشرع لم يأذن به الله تعالى والاحتياط كله: لزوم القرآن

(١) عملاً بقاعدة: ((الشك في الزيادة كتحققها)). انظر: إيضاح المسالك: ص ٢٠١. والفروق: ٢٢٥/١. وما بعدها. وانظر: القوانين الفقهية: ص ٢٣٠.
(٢) الإحكام: ٧٧٣/٥ وما بعدها.

278