- ((الأصل في ما تستوي فيه الأصالة والطروء التوقف)).
وبهذا يتضح أن تعبير الفقهاء عن القاعدة بقولهم: ((الأصل العدم)) فيه نظر، لأنه يفيد الإطلاق والاطراد، وهو غير كذلك كما رأينا، وهذا الإطلاق قد يوقع - أحياناً - في أخطاء فادحة. ومن غريب ما رأيت للإمام النووي - في هذا الصدد - أنه سئل عن رجل مسلم ولد له ابن، وماتت أمه، فاسترضعه عند يهودية لها ولد يهودي، ثم غاب فماتت اليهودية، ثم حضر المسلم فلم يعرف ابنه من ابنها، وليس لليهودية من يعرف ولدها ولا من يعرف أباه، وليس هناك قافة(١). فكيف يكون الحكم في كل منهما؟ فأجاب بكلام جاء فيه: (( ... فإن أصرا على الامتناع من الاسلام لم يكرها عليه، ولا يطالب واحد منهما بالصلاة والصيام ونحوهما من أحكام الإسلام، لأن الأصل عدم إلزامهما به))(٢). ولست أدري كيف استساغ الإمام النووي أن يجعل الأصل في الولدين عدم إلزامهما بالإسلام؟! وعلى أن نوع من أنواع الاستصحاب اعتمد في تحقيقه هذا الأصل؟ ذلك أن أمرهما متردد بين الإسلام واليهودية، فإما أن يكون الأصل فيهما الإسلام أو اليهودية. والنووي قد جعل الأصل عدم إلزامهما بالإسلام، وهذا يعني أنهما على اليهودية، وهو ترجيح من غير مرجح، بل إنه يفضي بنا إلى القول بأن الأصل في الإنسان الكفر، لأن الشرع قد حكم لكل مولود بأنه يولد على الفطرة. ونحن هنا أمام ولدين لم نعرف ابن المسلم منهما من ابن
(١) القافة: جمع قائف وهو الماهر الذي يستطيع بفراسته أن يلحق الابن بأبيه لمعرفته بالشبه بينهما. وثبوت النسب بالقيافة جائز شرعاً، وتنبني عليه كل أحكام النسب
(٢) فتاوى الإمام النووي: ص٢١٧.