ثم إن قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) تتصل بها قاعدتان أخريان تفسرانها وتكملانها هما: ((الحرج مرفوع)) و((الضرر يزال)). ووجه ذلك: أن أولاهما تفيد رفع الحرج والمشقة قبل الوقوع، والثانية تفيد رفع ذلك بعد الوقوع، أما قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) فتفيد المعنيين معاً.
ومعنى القاعدتين: أن الحرج مرفوع عن المكلف فلا يكلف إلا ما يطيق، وليس من شأن التكليف ولا من طبيعته أن يكون شاقاً على الناس إلى حد الإضرار والإحراج بهم، فإن حصل لبعضهم تضرر من بعض التكاليف زال ذلك الضرر بالرخص والتخفيفات.
والأدلة على ذلك كثيرة، منها ما سبق ذكره في قاعدة ((المشقة تجلب التيسير)) ومنها أيضاً قوله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾(١)، وقوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾(٢). وقوله ﷺ: ((لا ضرر ولا ضرار))(٣).
ولا تعارض بين ما تقرره القاعدتان من يسر الدين وسهولته على الناس، وبين ما يقرره الشرع في حق السراق والجناة والزناة وسائر المخالفين، من إيقاع العذاب بهم بالقطع أو القتل أو الرجم أو الجلد ... ؛ لأن يسر الدين إنما يتمتع به المتدين، والحرج في الشريعة إنما يرفع عن الملتزم بها والمستقيم على أمرها، فإن حاد عن ذلك وزاغ عنه بالمخالفة
(١) سورة المائدة: الآية (٦).
(٢) سورة الحج: الآية (٧٨).
(٣) رواه ابن ماجة في الأحكام، ورواه مالك في الموطأ في الأقضية مرسلاً، ورواه الدارقطني، ورواه غيرهم. (انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب: ص٢٨٥).