فالإفراط في العبادة يفضي إلى التفريط في حق النفس والأهل وغير ذلك من الحقوق الأخرى. وحتى لو رام الْمُفْرِط في العبادة أن يعالج حقوق النفس والأهل والضيف، لأهلك نفسه؛ لأنها لا تطيق ذلك مع ما يرهقها به من العبادة. لذلك حينما بلغ النبي ﷺ أن عبد الله بن عمرو بن العاص يصوم الدهر ويقوم الليل، قال له: ((إنك إذا فعلت ذلك هجمت(١) له العين ونفهت(٢) له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله، قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك. قال: فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفرّ إذا لاقى))(٣). وفي رواية إنه قال له: ((فصم وأفطر وقم ونم، فإن لعينك عليك حظاً، وإن لنفسك وأهلك عليك حظاً))(٤).
فواضح من ذلك أن الإفراط في العبادة إنما يكون على حساب الأعمال والوظائف الأخرى، ومن ثم لم يكن للمكلف أن يقصد إلى ذلك فيحرج نفسه ويشقيها بما يكون سبباً في إضافة هذه الأعمال والوظائف المطلوبة منه شرعاً.
وانظر إلى ما مَثَّلَ به النبي ﷺ من صيام داود عليه الصلاة والسلام، فإنه مع كثرة صيامه، لم يكن ذلك ليعجزه عن الجهاد وملاقاة العدو، الذي
(١) هجمت له العين: أي غارت ودخلت في موضعها. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ٢٤١/٤.
(٢) نفهت له النفس: أي أعيت وكلت. انظر: النهاية: ١٦٧/٤.
(٣) رواه البخاري ومسلم والترمذي في الصوم. وغيرهم.
(٤) رواه البخاري في الصوم.