304

Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

يتوقف على قوة الجسم ((ولا يفر إذا لاقى)).

وبعد هذا الاستطراد، أعود إلى التساؤل الذي أثرته فأقول: نعم إذا كان الإيغال في الدين والإفراط في العبادة مُطَاقًا عند المكلف بحيث لا يترتب على ذلك بغضه للعبادة، ولا تفريطه في التكاليف الشرعية الأخرى، فإنه لا يكون منهياً عن ذلك حينئذ، بدليل ما تقدم ذكره من أن إجراج النفس وإرهاقها بالعبادة إنما كان منهياً عنه للخوف من بغض النفس للعبادة، أو عجزها عن القيام بالوظائف الشرعية الأخرى، والنصوص المتعلقة بذلك - ما ذكرت منها وما لم أذكر - معللة بهذين الأمرين. فقوله ﷺ: ((ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله)) نص في أن علة النهي: الخوف من الوقوع في بغض العبادة. وقوله ﷺ: ((إن لعينك عليك حظا، وإن لنفسك وأهلك عليك حظاً)) نص في أن علة النهي: الخوف من التفريط في التكاليف الشرعية. فإذا زالت العلة، زال النهي عن المعلول. ألاَّ ترى أنه ﷺ حين أباح لعبد الله بن عمرو بن العاص صيام داود عليه السلام عقب على ذلك بقوله: ((كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى))، فإنما تحمل عليه الصلاة والسلام هذه الكثرة من الصيام؛ لأن ذلك لم يصرفه عن تكاليفه الأخرى كالجهاد؛ فكذلك كل من أراد التوغل في نوع من الطاعات ليس له ذلك إلا بقدر ما يحافظ به على المطلوبات الشرعية الأخرى، وهذه درجة لا يصلها إلا الأنبياء والمقتفون أثرهم من الأبرار السابقين(١).

(١) انظر بسط ذلك وأمثلته في: الموافقات: ٩٨/٢. وما بعدها.

303