306

Al-qawāʿid al-fiqhiyya min khilāl kitāb al-Ishrāf ʿalā masāʾil al-khilāf liʾl-qāḍī ʿAbd al-Wahhāb al-Baghdādī al-Mālikī

القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي

٢ - الضرورات تبيح المحظورات:

وأصلها قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه﴾(١). ومن أمثلة ذلك: أكل الميتة والخنزير للمضطر الذي يخشى أن يموت جوعاً. وشرب الخمر للذي يخاف أن يموت عطشا أو غصة، وغير ذلك(٢) من المحرمات التي قد يضطر إليها الشخص لإنقاذ نفسه من موت أو مرض، أو ما في معناهما من الضرر البين. قال الشيخ مصطفى الزرقا: ((والذي أراه أنه لا يشترط تحقق الهلاك بالامتناع عن المحظور، بل يكفي أن يكون الامتناع مفضياً إلى وهن لا يحتمل، أو آفة صحية. والميزان في ذلك أن يكون ما يترتب على الامتناع أعظم محذورا من إتيان المحظور: فصيانة النفس عن الهلاك أعظم وأوجب من صيانة مال الغير واحترام حقه، أو من أكل لحم الخنزير أو الميتة))(٣). وهو توسع منسجم مع روح القاعدة. غير أن كلامه يفيد - أو يوهم - أن الفقهاء متفقون على اشتراط تحقق الهلاك في الإقدام على أكل المحرم، وليس الأمر كذلك إلا أن يكون مراده متأخري الفقهاء، لما ضيقوا به على المكلف من كثرة التحفظات والاحتياطات. أما المتقدمون فلم يكونوا ليضيقوا ما وسعه الشرع. فانظر إلى الإمام الشافعي وهو يحدد ميزان الضرورة التي يباح بها المحرم، قال رحمه الله: ((والمضطر: الرجل يكون بالموضع لا طعام فيه معه،

(١) سورة الأنعام: الآية (١١٩).

(٢) انظر: إيضاح المسالك: ص٣٦٥.

(٣) المدخل: ٩٩٥/٢.

305