266

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

وهكذا، فلما جاء الشافعي حرر معنى النسخ، وميزه من بين تلك الإطلاقات الواسعة التي كان بإدماجها فيه غير متميز، وجعل التخصيص والتقييد من باب بيان المراد بالنص، وأما النسخ فهو رفع حكم النص بعد أن يكون ثابتاً، ولا شك أن ذلك سبق للشافعي بذكر له، وهو يتفق مع عقله العلمي ونظرته للمسائل نظرة علمية دقيقة تتجه إلى تمييز الكليات وتخصيصها.

ثانيهما: أن الشافعي درس النسخ من ناحية وقوعه في الشرع الإسلامي فهو قد استقرى المسائل التي رأى أن فيها نسخاً واستنبط منها أحكام النسخ وضوابطه، فأصّل أصوله في هذا الباب على ضوء ذلك الاستقراء.

وإنك لتستبين ذلك في أكثر ما كتب، ولذلك لم يخض في مسائل نظرية كالتي خاض فيها الأشاعرة والمعتزلة من علماء الأصول الذين جاءوا من بعده، فلقد درسوا إمكان نسخ ما حكم العقل بحسنه، أو قبحه، وخاضوا في ذلك خوضا، ودرسوا إمكان النسخ قبل العمل بالحكم المنسوخ، وعدم إمكانه كما درسوا وجوب حلول حكم محل الحكم المنسوخ وعدم وجوب ذلك، واختلفوا في كل هذا اختلافا مبينا، وهو علم لا ينبني عليه عمل، وليس له أثر، ولذلك لم يخض الشافعي في شيء منه لأنه كان يضع قواعد لما استقراه وتتبعه، لا مما يتخيله ويتصوره، ولذلك جاء كلامه في ذلك واضحا نيراً مستقيما.

= وقال قتادة في قوله تعالى ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)) إنه نسخ من ذلك التي لم يدخل بها بقوله تعالى: ((فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، والتي يئست من المحيض والتي لم تحض بعد بقوله تعالى: ((واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر؛ واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) وفي كل هذه الأمثلة ترى أنه أطلق على تقييد المطلق والتخصيص العام اسم النسخ.

266