267

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

الإجمــاع

١٦٩- قرر الشافعى أن الإجماع حجة، وقرر أنه فى منزلة بعد الكتاب والسنة، وقبل القياس، ولقد نقلنا فى صدر الكلام على مصادر الفقه عند الشافعى ما يدل على ذلك، وقد جاء فيها فى آخر الرسالة ما نصه: يحكم بالكتاب والسنة والمجتمع عليها التى لا اختلاف فيها، فنقول لهذا حكمنا بالحق فى الظاهر والباطن، ونحكم بالسنة قد رويت من طريق الانفراد، ولا يجتمع الناس عليها فنقول حكمنا بالحق والظاهر، لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث، وتحكم بالإجماع ثم القياس، وهو أضعف من هذا، "لأنه لا يحل القياس والخبر موجود، كما يكون التيمم طهارة فى السفر عند الإعواز من الماء، ولا يكون طهارة إذ وجد الماء، إنما يكون طهارة فى الإعواز.

ومن هذا نرى أن الشافعى يعتبر الإجماع مقدماً على القياس، ويعتبره أضعف فى الاستدلال من الكتاب والسنة، وأنه لا يصار إليه إلا عند عدم وجود نص من سنة أو كتاب، كالتيمم لا يكون مطهراً إلا إذا أعوز الماء.

والإجماع عند الشافعى أن يجتمع علماء العصر على أمر فيكون إجماعهم حجة فيما أجمعوا عليه، فهو يقول فى باب إبطال الاستحسان: لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه، إلا لما تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك، وحكاه عمن قبله كالظهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أشبه ذلك.

وأول إجماع يعتبره الشافعى هو إجماع الصحابة، وهو لا يعتبره، لأنه يكون دليلا على أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة فيما اجتمعوا عليه، ولكن يعتبره لأنه اجتهادهم، وهم لا يمكن أن يغفلوا عن السنة فى موضع ذلك الاجتهاد، فلابد أنهم اجتهدوا حيث لا يقوم نص من السنة أو أثر عن الرسول على خلاف ما اجتمعوا عليه، ولكن إذا حكوا سنة فيما اجتمعوا عليه كانت السنة هى الحجة، وهذا ما قاله فى ذلك المقام،

267