339

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

الكاذب، فكان باللعان جريمة ثالثة، ومع أن الأمارات لدى النبي صلى الله عليه وسلم تبين له الصادق من الكاذب، ومع أنه صرح بأن أحدهما كاذب لا محالة، ومع أنه رأى أن الأمر بين، قضى بما حكم الله تعالى، ولم يسر وراء الأمور الخفية البعيدة عن الحس، لأنها تخطئ وتصيب، وخطؤها قد يصيب الأبرياء بمظالم إن أخذ بها، ولذلك الاحتمال شاهد من السنة، فقد جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود، فجعل يعرض بالقذف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أوراق؟ قال: نعم، قال: فأنى أتاه. قال: لعله نزعه عرق. قال: ولعل هذا نزعه عرق.

ولقد قال الشافعي في حكم اللعان مستدلاً على ظاهرية الشريعة ما نصه:

في انتظار رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي في المتلاعنين جاءه فلاعن، ثم سن الفرقة، وسن نفي الولد. ولم يرد الصداق على الزوج، وقد طلبه - دلالة على أن سنته لا تعدو واحداً من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم بأنها تبين عن كتاب الله، إما برسالة من الله، أو إلهام منه، وإما بأمر جعله الله إليه لموضعه الذي وضعه من دينه، وبيان لأمور: منها أن الله سبحانه تعالى أمره أن يحكم على الظاهر، ولا يقيم حداً بين اثنين إلا به، لأن الظاهر يشبه الاعتراف من المقام عليه الحد أو بينة، ولا يستعمل على أحد في حد، ولا حق وجب عليه دلالة على كذبه، ولا يعطي أحداً بدلالة على صدقه، حتى تكون الدلالة من الظاهر العام لا من الخاص(١).

(١) لعل مراد الشافعي بهذه العبارة، أنه لا يؤخذ بدلالة على الصدق، أو على الكذب إلا إذا كانت هذه الدلالة تطرد في الإثبات بأن يكون الغالب الشائع في جنسها إثبات ما عليه، لا أن تكون تلك الدلالة تدل في بعض الأحوال دون بعضها الآخر فهي قد تكون دالة على الصدق أو الكذب في أحوال خاصة، وإذا كانت كذلك لا تكون لها صفة العموم فلا يقوم بها إثبات لأن الشك حينئذ يعرض إلى دلالتها ولأن البحث فيها بحث في أمر خفي، ولأن الشافعي يريد أن يفيد الحكام والمفتين دائماً بالظاهر المطرد لا بالخفى ولا بغير المطرد.

339