347

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

عمل الشافعى فى الأصول وعمل من بعده

٢١٣ - الأمر الذى لا شك فيه أن علم الفقه سابق على علم أصول الفقه، فالفقه نشأ بالاستنباط والفتيا والإجتهاد.

وقد كان الاجتهاد والرسول ﷺ حى، كان الصحابة يجتهدون إذا غابوا عنه وعرض لهم أمر لم يعرفوا له حكما فيه، ثم توالى الاجتهاد من بعده صلى الله عليه وسلم، وكان الاجتهاد فى ذروته فى عهد الراشدين، فأورثوا الناس مع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثروة من الأقضية والفتاوى والأحكام العملية فى سير الدولة ونظامها ومعاملتها للغير، ثم جاء التابعون، فكان منهم من يتفنن فى الفتيا، حتى لقد كان يفتى فيما يقع، وما يحتمل الوقوع، وقد يذهب به الفرض والتصور إلى ما هو بعيد الوقوع، فلما جاء عصر المجتهدين أصحاب المذاهب، كان فى البلاد الإسلامية ثروة من الفتاوى والأقضية والأحكام متنوعة مختلفة النواحى متباينة الأشكال والألوان، فلمالك مجموعة فقهية، ولمحدثى مكة مجموعة من الأحاديث والآثار المرتبطة بالفقه، ولأهل العراق فقههم الذى جمع كثيراً من الإمام محمد، فكانت هذه المجموعات الفقهية المتنوعة، ثروة مثرية من العلم والاستنباط.

وجاء الشافعى فوجد تلك الثروة، ووجد الجدل بين أصحاب النواحى المختلفة، فخاض غماره بعقل الأريب، وكانت تلك المناقشة هادية له بلا ريب إلى التفكير فى وضع موازين ومقاييس تضبط المجادلين، وبهما يتميز الخطأ من الصواب، وتكون أساس البحث والاستنباط والاجتهاد، فكان من ذلك اتجاهه إلى وضع أصول الفقه، لتكون أساس الاستنباط وضوابط وموازين لنقد الآراء، ومعرفة صحيحها من سقيمها كما ذكرنا.

ولاغرابة فى أن يكون الفقه متقدما على علم أصول الفقه، لأنه إذا كان علم أصول الفقه موازين لمعرفة الصحيح من الآراء من غير الصحيح،

347