348

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

فالفقه هو المادة التي توزن، والمادة سابقة على الميزان وكذلك كان الشأن في كل العلوم الضابطة، فالنحو تأخر عن النطق بالفصحى، والشعراء يقرضون شعراً موزوناً مقفى قبل أن يضع الخليل بن أحمد ضوابط العروض، والناس كانوا يتجادلون ويتحاورون، ويفكرون قبل أن يضع أرسطو علم المنطق.

وإذا كان أرسطو قد استطاع بمعونة مجموعات المجاررات التي جرت بين من سبقه من الفلاسفة، كسقراط؛ وأفلاطون والسوفسطائية وغيرهم أن يضع علم المنطق ليكون آلة بمراعاتها يستطيع الذهن أن يعتصم عن الخطأ في التفكير، فكذلك الشافعي استطاع بمعونة المجموعات الفقهية المختلفة الألوان والنواحي والاتجاه أن يستنبط ضوابط يستطيع الفقيه إن استمسك بها أن يقرب من الصواب ولا يباعده.

٢١٤ - جاء الشافعي وبين يديه تلك الثروة الفقهية التي اتصل به، وأخذ من كل نوع منها أشطراً، وتمرس بطريقتها، ومعه كل الأدوات الصالحة لأن يأتي بجديد فيها، وأن يستخلف من بين أشتاتها المتفرقة، وأجزائها المتناثرة قانوناً جامعاً يعرف به الصحيح من السقيم من الآراء، فقد أوتي علماً محيطاً دقيقاً باللسان العربي، حتى عد في صفوف كبار علماء اللغة، وأوتي علم الحديث، فتخرج على أعظم رجاله، وأحاط علماً بكل أنواع الفقه في عصره، وكان عليماً باختلاف العلماء من لدن عهد الصحابة إلى الذين عاصروه، وكان حريصاً كل الحرص على أن يعرف اختلافات الصحابة ومساراتها، ووجهاتها المختلفة، وكان حرصه أعظم في معرفة صحاح الأحاديث واختلافها والتوفيق بينها، ثم كان متمرساً بالجدل والمناظرة كما ذكرنا، وقد علمت مما سقنا أن العلماء كانوا يلقون بأدلتهم تفصيلاً في مناظراتهم، وقد يشيرون إليها في كتاباتهم، ثم هو كان طوافاً في الأقاليم قد أوتي علماً بأعراف الناس، وما عندهم من آثار الصحابة الذين نزلوا بلادهم وفقههم، وكان حريصاً على أن يقرأ الفقه المدون في عصره، ومعرفة وجهاته واتجاهاته، كل ذلك مع عقل علمي مستقيم.

348