349

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

بهذا كله توافرت له الأداة، لأن يستخرج من المادة التي علمها وتلقاها الضوابط والموازين التي توزن بها آراء السابقين، وتكون أساسًا لاستنباط اللاحقين يراعونها في استنباطهم، فيقاربون ولا يباعدون.

فبعلم اللسان استطاع أن يستنبط القواعد لفهم أحكام القرآن مستعينًا في ذلك بما أثر من دراسة الصحابة للقرآن الكريم وفهمه، وخصوصًا عبد الله ابن عباس الذي كان الأستاذ الأول لمدرسة مكة، والذي كان أعلم الصحابة بالقرآن الكريم وناسخه ومنسوخه، والذي وصف بأنه ترجمان القرآن الكريم، وقد علمت أن الشافعي عاش أكثر حياته العلمية مستظلًا بظل هذه المدرسة مستلهمًا من تفكيرها.

وبإحاطته بعلم الحديث، ومعرفة مختلفه ومتفقه التي حصل عليها بتلقيه على عدد كثير من رجال الحديث الذين اختلفت آراؤهم ومذاهبهم، حتى في علم العقائد، وبتطوافه في الأقاليم واطلاعه على كل آثار الصحابة فيها ومروياتهم، كل هذا مكنه من أن يعرف مقام السنة من الكتاب، وأحوال الحديث عند معارضتها للكتاب، وعند معارضتها لنفسها، وأودع ذلك كله أصوله.

وإن كتبه التي خلفها، سواء في ذلك مسنده، ورسالته، وكتاب الأم لتدل دلالة واضحة بينة غير مطوية على عنايته بدراسة اختلاف الصحابة دراسة ناقد فاحص، وكأنه كان يرى فيها المادة الفقهية التي لا يضل الفقيه الذي لم يخرج عنها، والتي يستطيع محاكاتها عندما يستقل هو بالاستنباط، ولا شك أن هذه الدراسة أفادته علمًا بالناسخ والمنسوخ، وأفادته علمًا بطائفة كبيرة من الرأي الذي كان يأخذ به الصحابة، وأفادته فهمًا لمرامي الشريعة في عمومها، ومجموع أحكامها، ولعله لأجل هذا كان يشترط في المجتهد أن يكون على علم باختلاف الصحابة، فدراسة خلافهم دراسة نقدية متعرفة فاحصة متقصية هدته إلى كثير من أصوله، ويظهر أن تلاميذه كانوا يلمحون فيه تلك الدراسة العميقة للآراء المختلفة وآراء الصحابة، حتى لقد عده أحمد بن حنبل فيلسوفًا في اختلاف الناس.

349