374

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

ولعل أوضح مثل لهذا النوع من الأصحاب كانوا من المذهب الشافعى فإنك ترى فى الطبقة الأولى من أصحابه، وفيمن وليها منهم من كانوا يتدارسون مذهبه ، وينقلونه لغيرهم ، ويصححون الأقوال فيه، وهم مع ذلك يجتهدون، لهم آراء مستقلة ينفردون بها . فهذا المزنى مثلا ينقل فقه الشافعى متحرياً فى نقله الأمانة ، حريصاً على الرواية ، وحريصاً أيضاً على حريته فى الاستنباط ، فينقل لقارئه نهى الشافعى عن تقليده وتقليد غيره ، ويقول فى مقدمة مختصرة : اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعى رحمه الله، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامه نهيه عن تقليده ، وتقليد غيره ، لينظر فيه لدينه ، ويحتاط فيه لنفسه ، وبالله التوفيق.

ولقد كان فى طبقات الشافعية ، وحاملى ذلك المذهب مجتهدون يطلقون الحرية لأنفسهم فى الاجتهاد ، حتى بعد أن ساد التقليد بعد المائة الرابعة ، فلقد وجدنا مجتهدين حتى المائة السابعة ، ولعله كان من بعدها من لهم اجتهاد ، وإن غاب ذكرهم ، وهؤلاء هم الذين عملوا على نمو ذلك المذهب ، واستخراج المسائل من أصوله ، وتوجيه فروعه ، وتصحيح أقواله ، والتخير من بينها ، وتخريج المسائل على قواعده وما اشتهر من أقوال أثرت عنه أو دونه فى كتبه ، وفى الجملة كانوا هم ومن يقاربهم من المجتهدين وفيه العاملين على تنميته ، حتى الأدوار التى آل إليها ، واقتصر بعدها الحاملون له على النقل دون الاجتهاد والتخريج .

هذا وإن عوامل النماء فى ذلك المذهب متوافرة غزيرة الحياة ، خصبة الإنتاج ، وهى ترجع على التقريب إلى ثلاثة عوامل ، أولها : كثرة الأقوال المأثورة عن الشافعى . وثانيها : أصوله والتخريج عليها . ثالثها : كثرة العلماء الذين تولوا الاجتهاد فيه ، واختلاف بيئاتهم ومنازعهم مما جعل تخريج الآراء على طرائق شتى ، واختلفت أحكام فروعهم باختلاف ذلك ، ونتكلم فى كل عامل من هذه العوامل ، بكلمة ليتبين مقدار أثره فى نمو المذهب .

274