375

Al-Shāfiʿī ḥayātuh wa-ʿaṣruhu – ārāʾuhu wa-fiqhuhu

الشافعى حياته وعصره – آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Edition

الثانية

Publication Year

1398 AH

كثرة أقوال الشافعي، وأثرها في مذهبه

٢٣٢ - ذكرنا في صدر كلامنا عن فقه الشافعي أنه يروى له أحيانا في المسألة الواحدة أقوال مختلفة في حكمها، وأنه هو قد ينص على قولين في المسألة الواحدة وقد يتركهما من غير ترجيح، وقد يرجح أحدهما على الآخر، وقد يروى أصحابه مع القولين اللذين ينص هو عليهما قولا ثالثاً، بل إن ترجيحه قد يختلف، فقد يرجح بعض الآراء، وقد يرجع على ذلك الترجيح فيرجح غيره، وقد ضربنا لذلك أمثلة في صدر كلامنا في فقه الشافعي(١).

وفوق ذلك كان للشافعي قديم وجديد، فقديمه بالعراق، وجديده بمصر، وقلنا إنه في مصر لم ينسخ كل قديمه، بل جاء إلى كتبه القديمة التي أقرأها تلاميذه ببغداد ومحصها، فكانت ثمرة التمحيص كتبه التي أقرأها تلاميذه مصر، ولقد روى البويطي أن الشافعي قال: لا أجعل في حل من روى عني كتابي البغدادي، وكتابه البغدادي هو المشتمل على مذهبه القديم، ولكنه مع نهيه أصحابه عن أن يرووا عنه آراءه القديمة التي رجع عنها، وقد وجدت آراؤه القديمة، وذكرت بجوار آرائه الجديدة، ذلك بأن كتبه التي رواها الزعفراني، والكرابيسي وغيرهما بالعراق قد انتشرت وعلم الناس ما فيها، وتناقلها العلماء، ولعل كثيرين من علماء بغداد وفقهائها الذين تتلمذوا له، أو أخذوا عن تلاميذه بالعراق لم يعلموا بذلك النهي من الشافعي فدونوها وتناقلوها، وتذاكروها، ولذا وجدنا في كتب المتقدمين من الشافعية وكتب المتأخرين، أقوال الشافعي القديمة منشورة في أبواب الفقه المختلفة.

وقد فتحت كثرة أقوال الشافعي باباً من أبواب الترجيح والتخريج والتصحيح فأخذ العلماء يوازنون بينها، واختلفت ترجيحاتهم وتصحيحاتهم

(١) راجع في ذلك النبذة رقم ١١٦، فمراجعتها ضرورية لفهم ما نتكلم فيه الآن.

375