Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
موقف قريش من بيعة العقبة الثانية بعد علمهم بها
لم تمر بيعة العقبة الثانية دون تنغيص، فقد كان أتعس مخلوق عرف هذه البيعة هو الشيطان، يقول سيدنا كعب بن مالك: (لما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط.
-وهم علموا أنه الشيطان بإخبار الرسول ﷺ لهم- قال: يا أهل الجباجب، -يعني: المنازل، ينادي أهل مكة- هل لكم في مذمم -يقصد سيدنا محمدًا ﷺ والصباة معه؛ قد أجمعوا على حربكم، قال رسول الله ﷺ: هذا أزب العقبة -أي: شيطان العقبة- اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك)، وبعد ذلك شعر الرسول ﷺ أن المشركين سيحضرون فقال للأنصار: (ارفعوا إلى رحالكم).
كان على الأنصار أن يركضوا مسرعين إلى رحالهم؛ لأنهم عرفوا أن قريشًا قد تأتي في أي لحظة، لكن لم يحصل هذا، وإنما قام العباس بن عبادة ﵁ وأرضاه، الذي قام قبل قليل يقول للأنصار: أنتم تبايعون على حرب الأحمر والأسود من الناس، قام وقال: (والذي بعثك بالحق! لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا).
وانتبهوا: أن القتال في منى لم يكن من الأمور التي بايع عليها الأنصار، فهم كانوا قد بايعوا على أن يدافعوا عن الرسول ﷺ في المدينة المنورة، وليس في منى ولا في مكة، لكن العباس بن عبادة يعطي ما هو فوق البيعة، فهو يبحث عن الجنة.
فكان رد الرسول ﷺ عليه في منتهى الوضوح، قال: (لم أؤمر بذلك)، أي: لم أؤمر بالقتال بعد، نعم بايع الأنصار على الجهاد، لكن ليس الآن وقت التطبيق، وهذا من فقه الموازنات؛ لو تقاتل الأنصار الآن مع المشركين فلاشك أن الأنصار سيبادون عن آخرهم، نعم سقطوا شهداء، ولكن أين الدولة؟ أين الدعوة؟ أين التخطيط لنصر وتمكين وسيادة هذا الدين؟ أين بناء الأمة الإسلامية؟ فعلًا كان لابد للمسلمين أن يتجنبوا القتال تمامًا في هذا الوقت؛ من أجل ذلك رجع الأنصار إلى خيامهم، وناموا مع الوفد المشرك الذين أتوا معه، ولم يشعر بهم أحد حتى من وفدهم.
في اليوم الثاني علمت قريش بموضوع اللقاء، من الذي أعلمهم؟ الله أعلم، إما الشيطان الذي صرخ بالليل، وإما أن شخصًا رآهم، فذهبت قريش لمقابلة زعيم يثرب عبد الله بن أبي ابن سلول، وبدأت تتكلم معه في خطاب يجمع بين الترغيب والترهيب، قالوا: يا معشر الخزرج -يكلمون عبد الله بن أبي ابن سلول - إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه -والله- ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، يعني: نحن نحبكم، لكن لو استمريتم على هذا الأمر سنحاربكم، وأنت تعرفون جيدًا من هي قريش؟ فلما سمع عبد الله بن أبي ابن سلول هذه الكلمات قام يقول بمنتهى الحمية: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتاتوا على مثل هذا، ولو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني.
نعم هو صادق من داخله؛ لأنه لم يعلم أي شيء عن هذا اللقاء؛ لأن المسلمين تكتموا بكل شيء عن موضوع اللقاء أو الإسلام، ولم يكن يعلم المشركون منهم من المسلمين في داخل وفدهم، هذا كان رد عبد الله بن أبي ابن سلول، أما رد المسلمين الذي بداخل الوفد، الذين قاموا بالبيعة، فنظر بعضهم إلى بعض ولم يتكلموا، وكأن شيئًا لم يكن.
اقتنعت قريش بكلام الوفد اليثربي، وتركوه وعادوا مرة أخرى إلى مكة، لكن بعدما عادوا إلى مكة علموا أن ظنهم كان في محله، فرجعوا مرة أخرى بسرعة من أجل أن يمسكوا بوفد يثرب فوجدوه قد رحل؛ لأنهم تقابلوا للبيعة في آخر ليلة من ليالي الحج، تحسبًا لهذه الظروف التي حصلت، فالرسول ﷺ كان قد عمل حسابه لها.
ارتحل الوفد، لكن من بعيد رأى زعماء مكة اثنين من المسلمين؛ رأوا سعد بن عبادة ﵁ وأرضاه، والمنذر بن عمرو ﵁ وأرضاه، وهذان الاثنان هم من النقباء، أما المنذر بن عمرو فاستطاع الهروب، لكنهم أمسكوا بـ سعد بن عبادة سيد الخزرج، رجل عزيز لم يهن في حياته قط، لكن زعماء مكة أمسكوا به وضربوه وجروه على الأرض.
موقف في منتهى الخطورة، نظر المسلمون في مكة إلى أخيهم المؤمن وهو يضرب، ولا يستطيعون حراكًا؛ لأنهم لو تحركوا من أجل إنقاذه سيعلم مشركو مكة أن هناك بيعة تمت، وأن هناك لقاء تم، حتى الرسول ﷺ نفسه لم يتحرك من أجل نصرة سعد بن عبادة وهذا أيضًا من فقه الموازنات.
كان جبير بن مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية ممن رأى الموقف، وسعد بن عبادة ﵁ كان يجير لهم القوافل عندما تمر بالمدينة المنورة، فأجاروه من قريش، وعاد سعد بن عبادة إلى قافلة الأنصار، ووصلوا إلى المدينة في أم
13 / 12