Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
إعداد الرسول ﷺ للهجرة مع أبي بكر وعلي ﵄
نزل جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يخبره بأمر هذه الجريمة، وقال له: لا تبت في فراشك الليلة، وأمره بالهجرة، والرسول ﵊ سأله عمن يهاجر معه؟ فقال: أبو بكر الصديق، يعني: صحبة الصديق لرسول الله ﷺ كانت بأمر من الله ﷿، ويا لها من درجة عالية للصديق ﵁ وأرضاه.
بدأ الرسول ﷺ يرتب للهجرة، وبالذات أنه علم أن المشركين يريدون قتله فجر يوم الجمعة (٢٧) صفر سنة (١٤) من النبوة، فزعماء قريش اجتمعوا في يوم الخميس (٢٦) صفر، فكان على الرسول ﷺ أن يبلغ الصديق ﵁ وأرضاه، ويرتب معه موضوع الهجرة، ولابد أن يكون كل شيء في سرية تامة، ولا يلفت أنظار أي شخص من قريش؛ من أجل ألا يقدم زعماء قريش موعد قتل الرسول ﷺ.
وهناك مشكلة أخرى كان يفكر فيها الرسول ﷺ، وهي هل كان أبو بكر جاهزًا للسفر مباشرة في الموعد الذي أخبره جبريل أن يهاجر فيه، فـ الصديق سيترك كل شيء، ولا يدري متى سيرجع، وقد لا يرجع بالمرة، ويموت في المدينة المنورة، وسيأخذه الرسول ﷺ من غير عائلته، فهو سيترك بناته وأولاده وأباه وأمه، وهذه تعتبر مشكلة بالنسبة للصديق.
وهناك مشاكل أخرى أمام الرسول ﷺ، منها: أن قريشًا سوف تكتشف هجرته لا محالة إن آجلًا أو عاجلًا، فكيف يعطل المطاردة المشركة له؟ كيف يهرب منهم والكفار كلهم يعرفون أنه مسافر إلى المدينة المنورة، ويعرفون الاتجاه الذي يمشي فيه؟ ومنها: أنه كانت عنده أمانات كثيرة وضعها أهل مكة عنده، وكأنه مثل البنك بالنسبة لهم، كان يحفظ لهم أماناتهم وأموالهم، ومع أن أهل مكة مشركون ورافضون للإسلام، إلا أنهم لم يجدوا أحدًا في مستوى أمانة الرسول ﷺ، فكانوا يضعون أماناتهم عنده مع حربهم المستمرة له ﷺ، وهذا من أعاجيب الزمان! المهم أن هذه كانت مشاكل أمام الرسول ﷺ، وكان لابد أن يجد لها حلًا.
ذهب الرسول ﷺ إلى الصديق ﵁ في وقت الظهيرة؛ لأن شوارع مكة في ذلك الوقت تكون خالية، ولن يراه أحد إذا ذهب في هذا الوقت، كما أن الصديق لم يكن معتادًا مجيء الرسول ﷺ إليه في هذا الوقت، فيكون هذا أدعى للتخفي.
شيء آخر فكر فيه الرسول ﷺ: أن يكلف سيدنا علي بن أبي طالب ﵁ بمهمتين كبيرتين، المهمة الأولى: أن ينام في فراشه ﷺ في هذه الليلة، ويتغطى ببرده ﷺ، حتى إذا جاء المشركون ونظروا يرون شخصًا نائمًا ومغطى ببردة الرسول ﷺ، فيظنون أنه الرسول ﷺ، فيتأخرون في ملاحقة الرسول ﷺ.
المهمة الثانية: رد الأمانات إلى أصحابها، وبعد أن ينتهي من المهمتين يهاجر إلى المدينة المنورة وحده.
خرج الرسول ﷺ في الظهيرة إلى بيت الصديق ﵁، وزيادة في التخفي غطى رأسه ببعض الثياب، ووصل إلى بيت الصديق من دون أن يراه أحد، فاستغرب الصديق من مجيء الرسول ﷺ في هذا الوقت، وقال: فداه أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، والصديق إلى الآن لا يعلم أنه سيهاجر مع الرسول ﷺ، وأن الهجرة في هذا اليوم ليلًا، في نفس اليوم الذي جاء فيه الرسول ﷺ، فاستأذن الرسول ﷺ فأذن له أبو بكر، فدخل، فوجد مع أبي بكر أهله، فقال له: (أخرج من عندك، فقال الصديق: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله -يعني: لا تخف منهم- فقال الرسول ﷺ: فإني قد أذن لي في الخروج)، يعني: الهجرة.
وانظروا إلى أول رد فعل للصديق ﵁ وأرضاه، أول شيء كان يشغله أن يكون مع الرسول ﷺ، ولم يتخيل أن يبتعد عن الرسول ﷺ ولو للحظات، فقال أبو بكر عندما علم أن الرسول ﷺ سيهاجر: (الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، فقال الرسول ﷺ: نعم، الصحبة).
فرح الصديق بصحبة رسول الله ﷺ في هذه الرحلة، ولم يتمالك نفسه من شدة الفرح، فبكى ﵁ وأرضاه، تقول السيدة عائشة ﵂: (فلم أكن أدري أن أحدًا يبكي من شدة الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي)، هذا مع الخطورة المعروفة في هذه الرحلة، لا شك أن الصديق ﵁ كان يقدر خطورة الموقف، وأنه سيكون من الم
14 / 4