162

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

حصار المشركين لبيت الرسول ﷺ ليلة الهجرة وخروجه من بينهم سالمًا
عاد الرسول ﷺ إلى بيته وبدأ يجهز نفسه، ونادى عليًا ﵁، وكان في ذلك الوقت عمره (٢٣) سنة، وأخبره بدوره، وأنه سينام في سريره ﷺ طوال الليل، ويتغطى ببرد الرسول ﷺ الأخضر، وفي الصباح يعيد الأمانات لأصحابها.
انتظر الرسول ﷺ في البيت حتى الليل، ثم في أول الليل فكر بالخروج والذهاب إلى الصديق، فرأى أن المشركين قد أتوا مبكرين عن الموعد الذي كان يظنه، ورآهم يحاصرون البيت، وعشرات السيوف تحيط بالبيت، والقرار ليس الحبس أو المحاكمة، لقد صدر القرار بالقتل، وقد أتوا للتنفيذ مباشرة، فماذا يعمل الرسول ﷺ؟ وكيف يخرج؟ أتى جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ، وأخبره بأن يخرج من وسط المشركين، وأن يخرج أمام الناس كلهم، ولن يراك أحد منهم؛ فإن الله ﷿ سيأخذ أبصارهم، ستعمى الأبصار كما عميت قبل ذلك البصائر.
خرج الرسول ﷺ أمام كل الناس ليلة (٢٧) صفر سنة (١٤) من النبوة، خرج وهو يقرأ صدر سورة (يس) من أولها إلى قوله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، وليس هذا فحسب، بل أخذ الرسول ﷺ حفنة من التراب، ووضع جزءًا منها على رأس كل مشرك؛ من أجل أن يقول لهم: لا تظنوا أنني قد بت خارج البيت، لا، أنا كنت بالداخل وخرجت أمامكم وأنتم لم تروني.
كان من الممكن أن يخرج الرسول ﷺ قبل أن يأتي المشركون، لكن هذا الذي حصل كان لإثبات أن الأمر كله بيد الله ﷿، وأنه بدون توفيق الله ﷿ لا يتم أمر من الأمور، وظهرت المعجزة الظاهرة الواضحة في نصرة الله لرسوله ﷺ.
وصل الرسول ﷺ إلى بيت الصديق ﵁، وجلس عنده حتى نصف الليل حسب الخطة، وبعد ذلك خرجا من الباب الخلفي للبيت، وتسللا من مكة، واتجها جنوبًا إلى غار ثور، وعندما وصلا إلى الغار دخل الصديق ﵁ وأرضاه إلى الغار أولًا، وعمل عملية استكشافية؛ ليطمئن أنه لا خطر فيه، وعندما اطمأن دخل الرسول ﷺ، وبهذا يكون هذا الجزء من الخطة مر بسلام والحمد لله.
هذا ما كان في الغار، أما عند بيت الرسول ﷺ فما زال المشركون على هيئتهم وعلى رءوسهم التراب، وعلي ﵁ مازال نائمًا بداخل البيت، وهم على حالتهم مر عليهم رجل مشرك ووجد على رأس كل رجل حفنة تراب، فاستغرب من شكلهم، فقال: ماذا تنتظرون هنا؟ قالوا: محمدًا قال: خيبكم الله، قد -والله- خرج عليكم.
فانزعجوا وتساءلوا، قبل قليل كان نائمًا، ونحن نراه بالداخل وهو نائم وعليه برده، وبعد ذلك وجدوا التراب على رءوسهم، وليس واحدًا أو اثنين، بل كلهم على رءوسهم التراب، فقام المشركون ونظروا من ثقب الباب، فرأوا رجلًا نائمًا بالداخل وعليه البرد الأخضر، فتحير القوم، وقالوا: والله إنه لنائم، فهل يصدقون ذلك الرجل الذي قال لهم: إنه قد خرج عليكم، والتراب الذي رأوه على رءوسهم، أم يصدقون أعينهم؟ فأراد شخص منهم أن يريح الجميع، قال: لنكسر الباب ونرى من النائم بالداخل، لكن معظم الكفار اعترضوا؛ وقالوا: والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، كفار مكة لا يهتكون ستر البيوت، ولا يقتحمون حرمات الديار، لا يدخلون بيتًا بغير إذن أهله! انتظر المشركون إلى الصباح ولم يستطيعوا الدخول إلى بيت الرسول ﷺ؛ حتى لا يلحقهم العيب، وبعد قليل إذا هم بـ علي ﵁ وأرضاه قام من الفراش، كان المشركون حينها في منتهى الغيظ، فأمسكوا بسيدنا علي بن أبي طالب وضربوه ضربًا شديدًا ﵁، وأخذوه إلى البيت الحرام ليحققوا معه، وحبسوه هناك، ومع كل هذا الضرب إلا أنه لم يجب عليهم، ومع كونه فارسًا مغوارًا وكان عمره في ذلك الوقت (٢٣) سنة إلا أنه لم يقاتلهم، وذلك لأمور: أولًا: لم يؤذن بعد للمسلمين بالقتال إلى هذه اللحظة.
ثانيًا: الهلكة محققة لغياب كل المسلمين، ولن يدافع عنه أحد، واجتماع كل المشركين على بني هاشم يصعب الأمر أكثر.
ثالثًا: أن عليه مهمة عظيمة وهي رد الأمانات إلى أهلها، فلابد أن يحافظ على نفسه حتى يؤديها؛ من أجل ذلك لم يرد عليهم حكمة وفقهًا من علي ﵁.
حبس سيدنا علي ساعة من الزمن، لا شهر ولا سنة ولا سنتين؛ لأن كفار مكة رأوا أن من الظلم أن يحبس إنسان بدون جريرة أو بدون ذنب أكثر من ساعة، ففي عرفهم أن الساعة كثيرة جدًا.
مكث علي ﵁ وأرضاه بعد ذلك في مكة ثلاثة أيام يرد الأمانات إلى أهلها، ثم هاجر مباشرة إلى المدينة المنورة.

14 / 6