Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
بداية العهد المدني بهجرة الرسول ﷺ وأصحابه
نحن وقفنا في محاضرات مكة المكرمة على أمر الهجرة، وأن الرسول ﵊ هاجر هو وكل المسلمين الذين يستطيعون الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.
وعند دخولنا المدينة المنورة لفت الأنظار مباشرة رد فعل الأنصار ﵃ وأرضاهم لدخول الرسول ﷺ إلى المدينة المنورة، كان فرحًا شاملًا في كل المدينة المنورة، فقد استقبلوا الرسول ﵊ بالأناشيد والأهازيج كما تعلمون جميعًا: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع إلى آخر الكلمات التي كان يقولها الأنصار بحب حقيقي وفرح فطري في داخلهم، وهذا الفرح بتحمل المسئولية أمر غريب يحتاج منا إلى وقفة، فشتان بين من يبحث عن الدعوة ومن تبحث الدعوة عنه، وشتان بين من يبحث عن الجهاد ومن يبحث الجهاد عنه، وشتان بين من يبحث عن التضحية ومن تبحث التضحية عنه، فالأنصار كانوا يبحثون عن الدعوة وخدمة الإسلام.
ها هو الرسول ﷺ داخل المدينة المنورة، ودخوله هذا معناه خطير جدًا، معناه: حرب الأحمر والأسود من الناس.
معناه: مفارقة العرب قاطبة.
معناه: العداء المستمر مع اليهود الذين يسكنون في داخل المدينة المنورة، ولهم علاقات قديمة جدًا مع الأنصار.
معناه: تضحية وبذل وإنفاق وموت في سبيل الله ﷿.
كان الأنصار يعرفون جيدًا هذه المعاني قبل أن يدخل الرسول ﵊ إلى المدينة المنورة؛ لأنهم عاهدوا الرسول ﵊ في بيعة العقبة الثانية على النفقة في العسر واليسر، وعلى السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على ألا تأخذهم في الله لومة لائم، وعلى أن ينصروه إذا قدم إليهم، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، كل هذا في مقابل الجنة.
ومستحيل أن يدفع أحد هذه الأشياء جميعها من غير أن يكون عنده إيمان يقيني جازم أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا ﷺ رسول الله، وأن الجنة حق، وأنه سيدخلها بهذه الأعمال التي قدمها من أجل الله ﷿.
إذًا: ففرح الأنصار هذا يعبر عن طبيعة الأنصار التي سوف نراها بعد هذا في كل مراحل المدينة المنورة، في كل الفترات سواء في داخل المدينة أو في خارج المدينة، فكل الأحداث عطاء مستمر متواصل يعجب له الإنسان، ولا يفقهه إلا من يعلم أن الأنصار مؤمنون إيمانًا يقينيًا بالله ﷿ وبرسوله الكريم ﷺ؛ لذلك الرسول ﵊ يقول في حق الأنصار كلمات جميلة تُكتب بماء الذهب وبما هو أغلى من الذهب، يقول ﷺ في الحديث المتفق على صحته: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بُغض الأنصار).
فإذا كنت تحب الأنصار فأنت مؤمن، وإن كنت تبغضهم فأنت منافق، فانظر كيف أصبح إيمان العبد بقدر وشرف الأنصار علامة من علامات صدق إيمانه، والذي لا يحب الأنصار يجب عليه أن يراجع نفسه، فهؤلاء الأنصار خرجوا فرحين جدًا بتلقي كم هائل من المشاكل التي سوف تحدث في المدينة المنورة بعد دخول الرسول ﵊؛ فرحين لأن هذا هو طريق الدعوة الذي سيوصلهم إلى الجنة، وأنتم تعرفون هذا من قبل، الطريق صعب لكن نهايته الجنة، وفرحهم هذا كان فرحًا إيجابيًاّ وليس مجرد فرح قلبي.
من أول يوم خرجوا إليه بالسلاح، والخروج بالسلاح فيه معنى التشريف لرسول الله ﷺ، وفي زماننا هذا الوقت عندما نستقبل رئيسًا أو شخصية كبيرة نستقبلها بالسلاح أو بما يسمى تشريفة السلاح هذا.
فهذا فيه تشريف لرسول الله ﷺ، لكن مع هذا فهو تطمين لقلبه ﷺ أنهم ما زالوا على عهد البيعة التي عقدوها معه قبل ذلك في مكة المكرمة بيعة العقبة الثانية، وهناك أعداء كثر في داخل المدينة المنورة وفي خارجها يتمنون قتل رسول الله ﷺ، كثير من المشركين موجودون في داخل المدينة المنورة، معظم أهل المدينة كانوا لا يزالون غير مؤمنين، وعندك أيضًا مشركو مكة الذين استمروا في تتبع الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة المنورة، ولم يفلت منهم ﷺ إلا عند دخوله إلى قباء أول مواضع المدينة المنورة، وقلنا قبل هذا إن قبيلة أسلم اعترضت الرسول ﵊ قبل دخوله إلى المدينة المنورة بقليل؛ بغية القبض عليه لتسليمه إلى قريش؛ لنيل الجائزة الكبرى التي أعطتها قريش لمن يأتي برسول الله ﷺ وهي مائة من النوق، وهو رقم ضخم في ذلك الزمان.
الرسول ﷺ يواجه مخاطر كثيرة داخل المدينة وخارجها، فالأنصار من أول لحظة يقولون: نحن معك بالسلاح، ونحن مستعدون أن نفديك بكل ما نمتلك من أموال وأرواح وكل شيء.
إذًا: كان هذا وضع الأنصار ﵃ وأرضاهم، واستقبالهم الحافل برسول الله ﷺ استقبال مشرف حقيقة، ينبئ ويخبر عن طيب وحسن طبيعة الأنصار ﵃ وأرضاهم.
15 / 8