Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
قطع قريش للعلاقات الدبلوماسية مع المدينة المنورة
لم ينجح تهديد قريش ولا وعيدها، فقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المدينة المنورة، وهددت بمنع أهل المدينة من زيارة البيت الحرام، مع أن البيت الحرام ليس ملكًا لقريش، وأعراف الجزيرة العربية وقوانينها بل وقوانين قريش نفسها تقضي بأن الذي يريد البيت الحرام لا بد أن يعطى الأمان، بل ويكرم ويخدم ويرعى، وكانت قريش تفتخر على غيرها من القبائل بأنها تسقي الحجيج وتعمر المسجد الحرام، ومع كل هذا تنكرت لكل ذلك، وقررت أن تنسى قوانينها أو تتناساها، وتتعربد في الأرض كما يحلو لها.
روى البخاري ﵀ قصة ذكر فيها: أن سعد بن معاذ ﵁ سيد الأوس انطلق إلى مكة معتمرًا، فنزل على أمية بن خلف -كان صاحبه في الجاهلية- فقال لـ أمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أطوف بالبيت، فخرج به أمية بن خلف وذهب سعد ليطوف، فلما طاف سعد بن معاذ بالبيت الحرام قابله أبو جهل، فقال أبو جهل يخاطب أمية بن خلف ويتجاهل تمامًا سعد بن معاذ مع أنه يعرفه: يا أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعد.
وكان أبو جهل يعرف سعدًا؛ لأن أمية بن خلف يقول: هذا سعد.
دون تعريف كامل، فلم يقل له: هذا سعد بن معاذ سيد الأوس.
فقال أبو جهل مخاطبًا سعدًا: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا.
فهذا تهديد خطير، وكأن أبا جهل قد فقد صوابه وحنكته، وفقد كل حكمته في التعامل مع قبيلة قوية كقبيلة الأوس أو الخزرج، فقال سعد بن معاذ رافعًا صوته كما في رواية البخاري، يرد عليه بقوة: أما والله لئن منعتني هذا -أي: لئن منعتني من الطواف بالبيت الحرام- لأمنعك مما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة.
فهذا موقف جليل من الصحابي الجليل سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه يحتاج منا إلى وقفة، فالتذلل والخضوع والخنوع لزعماء الكفر وقادة الضلال وجبابرة الأرض لا يزيدهم إلا كبرًا وغطرسة وظلمًا وجورًا، أما الوقوف هذه الوقفة الجادة الحاسمة فلا شك أنه يزلزل كيانهم ويهز أعصابهم، ونحن نلاحظ أن سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه كان واقعيًا جدًا في تهديده، يعني: لم يهدده بقتل أو بغزو مكة أو بالقدوم إلى مكة للعمرة رغمًا عن أنفه، ولكن هدده بما يملك.
هنا سعد بن معاذ لم يفقد مصداقية كلامه، بل كان كلامه في غاية التأثير، فهو ﵁ وأرضاه يعرف مواطن القوة عنده وما بيده ويعرف ما يضعف عدوه ويعرف مصالح مكة، فهذا موقف رجولي يليق بمؤمن.
قد يقول قائل: لماذا رد سعد بن معاذ ﵁ بغلظة هكذا على أبي جهل؟ بينما رد الرسول ﷺ قبل ذلك بلطف ولين على عبد الله بن أبي ابن سلول المشرك الخزرجي، مع أنه أيضًا أساء له القول قبل ذلك؟
الجواب
لاختلاف الظرف واختلاف المكان واختلاف الشخص المشرك الذي تم الحوار معه، فالرسول ﷺ كان يتحاور مع عبد الله بن أبي ابن سلول زعيم المشركين في يثرب وقبيلته الخزرج، والخزرج لم تقف سدًا منيعًا أمام الإسلام كما فعلت قريش، بل على العكس، فإن عددًا كبيرًا جدًا من الأنصار هم من قبيلة الخزرج، كما أن المشركين من قبيلة الخزرج بما فيهم عبد الله بن أبي بن سلول لم يسمعوا عن الإسلام إلا منذ فترة وجيزة، ولم يختلطوا برسول الله ﷺ وبالمؤمنين اختلاطًا كافيًا؛ فلذلك الرسول ﵊ يؤمل كثيرًا في إسلامهم، ويعتقد أنهم بطبيعتهم الرقيقة المشهورة عن أهل المدينة سيميلون إلى الإسلام عاجلًا أو آجلًا؛ لذلك هو لا يريد تصعيد الموقف مع قبيلة الخزرج، بل يريد امتلاك القلوب وإقناع العقول، وهذا كله يتطلب رفقًا في التعامل ولينًا في الكلام.
أما موقف سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه مختلف تمامًا، فهو موقف مع واحد من أكابر مجرمي قريش، بل مع أعتى عتاتها وأفجر فجارها، موقف مع فرعون هذه الأمة، وبث الرعب في قلبه أمر مطلوب، وإشعاره بالقلق والاضطراب واجب شرعي، وإثارة خوفه على ماله وسلطانه عمل إستراتيجي للمسلمين.
وتاريخ أبي جهل يشير إلى أنه لن يؤمن، خاصة أن رسول الله ﷺ دعا عليه قبل ذلك وقال: (اللهم عليك بـ أبي جهل)؛ لذلك فإن سعد بن معاذ لا يؤمل في إسلام أبي جهل لا من قريب ولا من بعيد، فكان قراره حاسمًا في ذلك، وهو الوقوف
17 / 7