283

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

إبليس
الجندي العاشر والأخير جندي أغرب من أبي جهل وأعجب، هذا الجندي هو إبليس نفسه، فالشيطان اجتهد كل الاجتهاد ليدفع المشركين دفعًا إلى القتال، ولم يكتف بالوسوسة، بل تمثل لهم في صورة سراقة بن مالك سيد بني كنانة؛ ليجيرهم من بني بكر، وخرج معهم كذلك بصورة سراقة بن مالك، ودخل معهم أرض بدر، وثبت للقتال معهم حتى رأى الملائكة فعرفهم، فقد كان يعبد الله معهم قبل أن يكفر، فلما عرف أن الموضوع خرج من يديه قرر الهروب، ورآه أحد المشركين الحارث بن هشام، وهو يهرب، وكان يظن أنه سراقة بن مالك فأمسكه وقال له: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا لا تفارقنا؟ فقال له إبليس: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وفرّ بنفسه حتى ألقى نفسه في البحر، وأنزل الله ﷾: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٤٨]، في صورة سراقة بن مالك، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]، وطبعًا هذا شيء متوقع، فالشيطان يعد الناس ويمنيهم، ثم يتركهم عند الأزمات، واللوم لا يقع على الشيطان فقط، بل يقع أيضًا وبصورة أكبر على من اتبعوه، وهذا كلام الشيطان نفسه، واسمع كلام ربنا ﷾ في سورة إبراهيم، قال: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أي: لن أنفعكم ولن تنفعوني، ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
نعم، هذا الكلام والحوار سيكون يوم القيامة، لكنه بالتأكيد يحصل في الدنيا كثيرًا، فكم دفع الشيطان أناسًا إلى نهاياتهم، ثم تبرأ منهم وتركهم.
قد يكون الشيطان سببًا من أسباب نصر المسلمين، ومن المؤكد أن الشيطان لو عرف أن النصر سيكون حليف المسلمين في بدر؛ لما دفع قريش للحرب، لكن لا يعلم الغيب إلا الله ﷾.
هذا كان الجندي العاشر من جنود الرحمن ﷾، فتلك عشرة كاملة، وجنود الله أكثر من هذا بكثير: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:٤]، ففي الغزوات الآتية سنتعرف على جنود أكثر وأكثر.
نقول: إن كل كلامنا الذي مضى يصب في معنى واحد مهم، وهو المعنى الذي ظهر لنا في كل كلمة من كلمات درس هذا اليوم، هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠]، وبهذا نفهم الآية التي جاءت في سورة الأنفال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال:١٧].
فالمسلمون يحملون السيوف ويقاتلون، لكن جنود الرحمن العجيبة هي التي حققت النصر، مع اعتراف الجميع بأن الناصر هو الله ﷿، وهو الذي أكمل لهم هذا النصر العظيم.

22 / 18