312

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

وصول النبي وجيشه إلى أحد وتوجيهاته ﷺ لأفراد الجيش
ودخل الرسول ﵊ أرض أحد، وبدأ ينظر إلى الأرض بنظرة عسكرية ثاقبة، وبدأ يحط معسكره في المكان المناسب، واختار مكانًا في منتهى العبقرية؛ اختار مكانًا يكون عن ظهره وعن يمينه جبل أحد، فتكون له حماية طبيعية من جبل أحد، وفي نفس الوقت كان جيش مكة في مكان منخفض نسبيًا وهو في مكان مرتفع، وهذا يعطيه قدرة أكبر على القتال، واكتشف ﷺ في أرض القتال أن بجانبه جبل صغير عرف بعد ذلك في التاريخ بجبل الرماة، وهذا الجبل كان على شمال الجيش الإسلامي، ويعتبر ثغرة ضد مصلحة الجيش المسلم؛ لأنه لو استطاع الجيش الكافر أن يلف حول هذا الجبل لدخل على المسلمين من ورائهم، وسيكون الجيش الإسلامي محصورًا بين المشركين من الأمام ومن الخلف؛ ولكي يأمن الرسول ﵊ هذه النقطة الحساسة في أرض التقال، انتخب من أصحابه خمسين راميًا ماهرًا وضعهم على جبل الرماة، وأمرهم أن يصدوا عنهم هجمات الفرسان المشركين، هؤلاء الخمسون كان على رأسهم الصحابي الجليل عبد الله بن جبير الأوسي البدري ﵁ وأرضاه، كان من أعظم الصحابة وأمهر الرماة فيهم، وذكر الرسول ﵊ بعض الأوامر والنصائح له وللفرقة التي معه، نريد أن نقف وقفة طويلة جدًا مع أوامر الرسول ﵊ للفرقة التي كلفت بحماية هذا الجبل.
قال الرسول ﵊ لهم الأمر بطريقة فريدة، طريقة تجعل فهم هذا الأمر بصورة خاطئة يعتبر أمرًا مستحيلًا، فتعالوا واسمعوا الكلام الذي قاله رسول الله ﷺ.
التوجيه الأول: خاطب الرسول ﷺ القائد عبد الله بن جبير أمام الرماة جميعًا.
قال له: (انضح عنا الخيل بالنبل)، هذه الجملة لوحدها تكفي المهمة في منتهى الوضوح، أي: مهمتك ومهمة الرماة أن تمنعوا خيول المشركين من الالتفاف حول الجيش الإسلامي، وليس المنع عن طريق القتال، ولكن عن طريق الرمي من أعلى الجبل، والنضح يعني: الرمي؛ لأن خيل المشركين لن تقابل بخيل من المسلمين، فالمسلمون ليس لهم خيول في موقعة أحد، ولن يستطيع الرماة بسيوفهم أن يقاتلوا هؤلاء المشركين الفرسان، فلابد أن يكون الصد عن طريق الرماية.
إذًا: هذا أمر في منتهى الوضوح وكان كافيًا، لكن الرسول ﵊ لم يكتف به.
التوجيه الثاني: (لا يأتون من خلفنا) الواضح من الأمر الأول أن الغرض عدم الالتفاف حول الجيش الإسلامي، لكن كذلك يريد أن يوضح لهم الأمر على أتم وجه، فقال: (لا يأتون من خلفنا).
التوجيه الثالث: (إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك)، وكأن الرسول ﵊ يرى تمامًا كل الذي سيحصل بعد ذلك في أحد، وينبه الصحابة مرة ومرتين وثلاثًا وما زال في التنبيه: (إن كانت لنا -لو كسبنا- أو علينا -لو خسرنا- لا تتركوا الجبل).
الأمر الرابع: (لا نؤتين من قبلك)، يحرك فيه المشاعر، لا يخسر كل هؤلاء المسلمين الحرب بسبب مجموعة الخمسين هذه، وكل هذا الكلام للقائد عبد الله بن جبير وكل الرماة يسمعون هذا الكلام.
ليس هذا فحسب، فالرسول ﵊ ترك عبد الله بن جبير وانتقل إلى مجموعة الرماة، وبدأ يخاطبهم بنفسه، وقال لهم كلامًا في منتهى العجب، فالتوجيهات الأربعة الأولى كانت موجهة لـ عبد الله بن جبير.
أما التوجيه الخامس: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم) يعني: حتى في حال الهزيمة المرة القاتلة التي سيقتل فيها جيش المسلمين بكامله وتنزل الطيور تنهش أجساد المسلمين لا تتحركوا مع كل ذلك، فانظر إلى عظم هذا الأمر سبحان الله! الأمر السادس: (وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطئناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم)، يعني: في حالة النصر الساحق وفرار المشركين، واحتلال المسلمين لمعسكر الكافرين أيضًا لا تبرحوا مكانكم، أظن بعد ذلك إذا حصلت مخالفة فستكون مخالفة متعمدة، ولو حصلت مخالفة متعمدة لأمر الرسول ﵊ لا تتوقع نصرًا أبدًا، وهذا الذي سوف نراه في موقعة أحد.
إذًا: الرسول ﵊ وجه هذه التوجيهات المباشرة الواضحة الجلية هذه إلى فرقة الرماة الخمسين، ونزل ﷺ مرة أخرى إلى جيشه، وبدأ يحفز الناس على الجهاد في سبيل الله، ويذكرهم بالجنة، ثم يحفزهم على التنافس في أعمال الخير وأعمال الجهاد وأعمال القتال، فجعل بينهم نوعًا من التنافس على شيء مهم جدًا، أخذ ﷺ سيفًا بتارًا قويًا ورفعه بين الصحابة، وقال: (من يأخذ هذا السيف بحقه؟)، قال هذا الكلام في وسط مجموعة من المقاتلين الأشداء من المهاجرين والأنصار، فقام إليه أكثر من واحد، منهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعمر بن الخطاب وغيرهم وغيرهم، حتى قام إليه

24 / 13