Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
موقف النبي ﷺ وأصحابه من شهداء أحد
نزل الرسول ﵊ من فوق الجبل ليتفقد الشهداء، وكان موقفًا مريعًا، سبعون من أفاضل المسلمين كلهم ملقى على أرض أحد، كان منهم: حمزة بن عبد المطلب وعمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وحنظلة، وخيثمة، كثير من شهداء المسلمين سقطوا في يوم أحد، فوقف ﷺ ونظر إلى الشهداء وقال: (اللهم إني شهيد على هؤلاء، إنه ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه، اللون لون الدم، والريح ريح المسك).
وكان هناك أناس من الصحابة أخذوا بعض الشهداء ليدفنوهم في المدينة، فأمر ﷺ أن يردوا جميعًا إلى أرض أحد ويدفنوا فيها، وألا يغسلوا ولا يكفنوا، بل يدفنوا في ثيابهم بعد أن تنزع الدروع والجلود من فوقهم.
وكان ﷺ يدفن الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ويجمع بين الرجلين أحيانًا في ثوب واحد، ويقول: (أيهم أكثر أخذًا للقرآن) فمن كان يحفظ القرآن أكثر وضعه الأول في اللحد.
وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) مرة ثانية، وكررها كثيرًا في ذلك اليوم، وكان إذا علم أن بين اثنين من الصحابة محبة كبيرة دفنهما معًا، فدفن عبد الله بن عمرو بن حرام مع عمرو بن الجموح ﵃ أجمعين.
ولما رأى ﷺ ما حدث بـ حمزة ﵁ اشتد حزنه وتقطع كبده ﷺ وبكى بكاءً شديدًا، وانتحب حتى نشغ -كما يقول الراوي- من البكاء، يعني: صار له شهيق عال من البكاء.
يقول ابن مسعود ﵁: (ما رأينا رسول الله ﷺ باكيًا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب) بل وضعه ﷺ في القبلة وصلى عليه مع كل شهيد ﵃ أجمعين وأرضاهم.
كذلك مصعب بن عمير ﵁ ممن قتل شهيدًا في يوم أحد، وكفن في ثياب بالية رثة، يقول عبد الرحمن بن عوف ﵁: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه.
وذكروا ذلك للرسول ﵊ فقال: (غطوا بها رأسه بهذه البردة، واجعلوا على رجله الإذخر) والإذخر نبات.
إن وضع الشهداء كان مؤلمًا جدًا للمسلمين، ومع كل هذه الأحداث جمع الرسول ﷺ كل الموجودين في أرض القتال، وقال لهم: (استووا حتى أثني على ربي ﷿ يا الله! موقف عجيب في كل مواقفه ﷺ، فصاروا خلفه صفوفًا، فوقف ﷺ يدعو والجميع يؤمن على دعائه، استمعوا إلى دعائه ﷺ وهو يقول: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني أسألك العون يوم العيلة، والأمن يوم الخوف، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا، وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق).
هذا دعاء جميل، دعاء فيه الشكر الدائم لرب العالمين ﷾ في كل الظروف، حتى لو كان ذلك بعد مصيبة أحد، دعاء فيه إعلان أن كل شيء بإذن الله ﷾، فالله ﷾ قادر على منع الهزيمة، لكنه أوقع المصيبة بالمسلمين لِحكَمٍ كثيرة يعلمها، قال ﷾: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٦٦].
إذًا: هذا دعاء فيه تعظيم الآخرة في عيون الصحابة، خاصة في هذا الموقف، لما قال ﷺ: (اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول) حتى لو ضاقت الدنيا كلها وأعطيتنا الآخرة فنحن الرابحون، دعاء فيه وضوح الرؤية في حرب كل من صد عن سبيل الله، سواء كانوا من المشركين أو من الكفرة من أهل الكتاب الذين قاتلوا المسلمين، دعاء جامع شامل يعبر عن فهم دقيق للحبيب ﷺ.
رجع ﷺ إلى المدينة المنورة، واستقبل في حزن شديد، فكل بيت تقريبًا فيه شهيد، وقابلته في الطريق حمنة بنت جحش ﵂ ونعى إليها صلى الله عل
25 / 11