326

Al-sīra al-nabawiyya

السيرة النبوية

محبة بعض الصحابة للدنيا ومخالفتهم للأمر النبوي بسببها
فغزوة أحد مصيبة ولا شك في ذلك، وليست المصيبة في استشهاد سبعين من الصحابة؛ لأن هؤلاء من أكرم الخلق على الله ﷿، وقد نالوا درجات عالية جدًا، واصطفاهم الله ﷾، يقول الله في الكتاب تعليقًا على غزوة أحد: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠] فهؤلاء اختارهم الله؛ ليكونوا من أفضل الناس، إنما المصيبة في شيء آخر، المصيبة تكمن في اضطراب بعض المفاهيم عند المسلمين، وإن كان اضطرابًا حصل في لحظة من لحظات القتال وغير كل شيء، وهذه المصيبة هي تغلب الدنيا في قلوب بعض الصحابة، فالصحابة منذ بدء القتال وهم يقاتلون في سبيل الله ﷿، يقاتلون من أجل الجنة، وفي لحظة انقلبت الموازين، وأصبح فريق منهم يقاتل من أجل الدنيا، وقد وصل تغلغل حب الدنيا في قلوبهم إلى أن يخالفوا كلام الرسول ﷺ مخالفة صريحة متعمدة، وراجع الكلام الذي قاله ﷺ لـ عبد الله بن جبير ولفرقة الرماة، فهو كلام في منتهى الوضوح، توجيه أول وثان وثالث ورابع وخامس وسادس، فالتوجيه الأول: (انضح عنا الخيل بالنبل) إلى آخر كلامه ﷺ.
وأثناء القتال يلتف خالد بن الوليد حول الجيش ثلاث مرات، ويستطيعون أن يصدوه، وبذلك عرفوا أن هذا المكان خطر وصعب ومهم بالنسبة للمشركين، وعرفوا أن لهم دورًا كبيرًا جدًا في صد المشركين.
إذًا: ستة توجيهات من الرسول ﵊، وثلاثة توجيهات من خالد بن الوليد بلفته أنظار المسلمين إلى أهمية المكان الذي يقفون عليه.
هذه تسعة توجيهات.
والتوجيه العاشر جاء من عبد الله بن جبير ﵁ وأرضاه، عندما أرادوا النزول قائلين: الغنيمة الغنيمة، وقف لهم وقال: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ ومع ذلك لم يستمعوا.
فكل هذا يثبت أن المخالفة كانت متعمدة وصريحة من أجل الدنيا، وقد كان الرسول ﵊ يقول لأصحابه: (والله لا أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم الدنيا).
والله ﷾ وصف ذلك في كتابه تعليقًا على أحد.
قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢].
وبسبب الدنيا صار المسلمون فريقين: الفريق الأول: أنس بن النضر وثابت بن الدحداح وأبي طلحة وغيرهم من الذين قاتلوا حتى النهاية، فمنهم من قاتل وثبت حتى شهادته، ومنهم من قاتل حول الرسول ﵊ لحمايته، ما نكصوا على أعقابهم وما فروا.
والفريق الثاني: هم الذين تغلغلت الدنيا في قلوبهم، وغير مقبول للجيش المسلم أن يصل حب الدنيا إلى قلوب بعضه، فيدفعه هذا الحب إلى المخالفة.
كذلك في موقعة بدر حصلت أيضًا مخالفة من أجل الدنيا، قال الله ﷿ في صدر سورة الأنفال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال:١] يتكلم عن مشكلة الغنائم التي دخلت في قلوب الصحابة، فوجههم الرسول ﵊ إلى اتباع كلام رب العالمين ﷾، وانصاع الجميع لكلام رب العالمين ﷾، وسلموا أنفسهم له، ووزع رسول الله ﷺ الغنائم بالطريقة التي شرعها رب العالمين ﷾، لكن في غزوة أحد حذرهم الرسول ﷺ ست مرات، ومع ذلك خالفوا، فكانت مخالفة متعمدة فلابد لها من مصيبة، وإن كان الجيش الذي خالف هو جيش رسول الله ﷺ.
يقول عبد الله بن مسعود ﵁ وأرضاه: ما كنت أحسب أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل فينا ما نزل: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران:١٥٢].
فالمصيبة التي عمت الجيش كله بسبب مجموعة من المسلمين أصابتهم الدنيا؛ لأن هذا المرض قد ظهر فيهم من قبل، فقد كان متغلغلًا قبل غزوة أحد، فكان لابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفتيش عن إيمان الآخرين، وطاعتهم لله ﷿ وعبادتهم له والتزامهم بمنهجه ﷾، لكن عندما تسأل الإنسان عن دنياه ولا تسأله عن آخرته توثر فيه تدريجيًا، حتى تصير مصيبة كبيرة تعم المسلمين جميعًا.
فالوضع الذي كان في أحد هو مصيبة تمكن الدنيا من القلب حتى تدفع المسلم إلى المخالفة الصريحة المتعمدة لكلام الحبيب ﷺ.

25 / 13