Al-sīra al-nabawiyya
السيرة النبوية
Regions
Egypt
اصطفاء الله كثيرًا من المجاهدين للشهادة
من الآثار والحكم التي نريد أن نقف معها وقفة: أن في هذه المصائب التي تنزل على الأمة الإسلامية ينتقي الله ﷿ بعضًا من المسلمين ليتخذهم شهداء، ومن الممكن أن يكونوا شهيدين أو ثلاثة في المعركة، عندها لن تأخذ في بالك قيمة الشهداء وعظمتهم، لكن حين يستشهد سبعون من المسلمين، فهذا أمر لافت للنظر جدًا، وخاصة بهذه الطريقة المؤثرة التي حدثت يوم أُحد.
إن قصص الشهداء تفتت الأكباد خاصة عندما تقرأ قصة الشهيد الأول والثاني والثالث والعاشر إلى السبعين، هذا لابد أنه سيلفت النظر بوضوح إلى قيمة الشهداء في الميزان الإسلامي، فالقرآن مركز على قضية الجهاد، ويلفت النظر إلى أن الجهاد يكون بالنفس والمال، فالجهاد في غاية الأهمية، لا تقوم أمة إلا بالجهاد في سبيل الله، وإن تركت الأمة الجهاد في سبيل الله ذلت: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم).
هذا هو كلام الرسول ﵊، وهذا هو الواقع الذي نراه في كل صفحة من صفحات القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]، ليس المال فقط، بل ﴿أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، وهذا كثير جدًا في القرآن الكريم: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [التوبة:٤٤]، فأنت عندما تجاهد بنفسك فهذا لاشك أنه شيء عظيم، وعندما تفقد نفسك وأنت ثابت في سبيل الله ﷾ فهذا شيء أعظم، وعندما تهوى الموت في سبيل الله ويصبح أعظم أمنية عندك فلا شك أن هذا أعظم وأعظم وأعظم، وكل هذا رأيناه في أُحد، وليست المسألة أنك تكون شهيدًا بمجرد رغبة عابرة تأتي على الذهن في لحظة من لحظات علو الإيمان أو القرب من الله ﷿، ليست هذه السنة، السنة أن طريق المسلم طويل وصعب حتى يصل إلى الشهادة، نعم، هناك استثناءات وهناك بعض الظروف لا تكون على هذه الصورة، لكن الأصل أن الطريق طويل.
وكنت مستغربًا لماذا الرسول ﵊ في الحديث الذي ذكر فيه أن الجهاد هو ذروة سنام الإسلام ذكر أمورًا كثيرة لا علاقة لها بالجهاد قبل أن يتكلم عن الجهاد؟ يا ترى! ما هو الرابط بين هذه الأمور وبين الجهاد؟ ماذا قال الرسول ﷺ لـ معاذ بن جبل ﵁ لما سأله؟ سأل معاذ بن جبل الرسول ﷺ سؤالًا جميلًا، ولكنه صعب، قال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال له ﷺ: لقد سألتني عن عظيم -أي: أمر كبير- وإنه ليسير على من يسره الله عليه -وما هو الطريق؟ - قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا) الأمر الأول: توجيه النية الكاملة لله ﷿ عند المسلم، حتى يصل في يوم من الأيام إلى أن يكون مجاهدًا، ويصل بعد ذلك إلى الشهادة.
قال: (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، وليس من المعقول أبدًا أن يكون مجاهدًا دون أن يعمل هذه الفرائض، ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، ثم تلا قول الله ﷿: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] حتى بلغ قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]).
فالرسول ﵊ تكلم عن بعض أعمال الخير من الفرائض والنوافل من صيام وصدقة وقيام كلها مهمة جدًا في الطريق للجهاد في سبيل الله، ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله! فأخذ لسانه وقال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم أو قال: على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم).
إذًا: طريق الجهاد طريق طويل، لا يستطيع أن يصل إليه المسلم دون أن يؤدي الفرائض التي عليه، ولن يصل إلى طريق الجهاد في سبيل الله ﷿ من واظب على المعاصي والمخالفة، وواظب على عدم اتباع أمر رسول الله ﷺ في الفرائض.
ثم بعد الفرائض النوافل أيضًا، لن يصل إلى الجهاد إلا من قام الليل وتص
26 / 9