252

Al-Sunna wa-makānatuha lil-Sibāʿī

السنة ومكانتها للسباعي

Publisher

المكتب الإسلامي

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م (بيروت)

ثَالِثًا - الإمام أحمد لم يقل: إنه لم يصح في التفسير شيء، وإنما قال: «ثَلاَثَةُ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ»، والظاهر أن مراده نفي كتب خاصة بهذه العلوم الثلاثة، بدليل ما جاء في الرواية الثانية مُصَرِّحًا به «ثَلاَثَةُ كُتُبٍ». وهذا المعنى هو ما فهمه الخطيب البغدادي، حيث قال: «وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى كُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ [غَيْرِ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهَا لِعَدَمِ عَدَالَةِ نَاقِلِيهَا وَزِيَادَاتِ الْقُصَّاصِ فِيهَا فَأَمَّا كُتُبُ الْمَلاَحِمِ فَجَمِيعُهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلْيَسَ يَصِحُّ فِي ذِكْرِ الْمَلاَحِمِ الْمُرْتَقَبَةِ وَالفِتَنِ الْمُنْتَظَرَةِ غَيْرُ أَحَادِيثَ يَسِيرَةٍ، وَأَمَّا كُتُبُ التَّفْسِيرِ] فَمِنْ أَشْهَرَهَا كِتَابَا الْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي " تَفْسِيرِ الْكَلْبِيِّ ": " مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ كَذِبٌ [قِيلَ لَهُ: فَيَحِلُّ النَّظَرُ فِيهِ؟] قَالَ: لاَ "».
رَابِعًا - يحتمل أن يكون مُرَادُ الإمام أحمد في عبارته المذكورة أن ما صح من التفسير قليل بالنسبة لما لم يصح، وعلى هذا المعنى حملها كثير من أهل العلم. ففي " الإتقان " (١)، قال ابن تيمية: «وَأَمَّا القِسْمُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَإِنْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: " ثَلاَثَةٌ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلاَحِمُ وَالْمَغَازِي" وَذَلِكَ لأَنَّ الغَالِبَ عَلَيْهَا الْمَرَاسِيلُ».
وقال الزركشي في " البرهان " (٢): «لِلْنَّاظِرِ فِي القُرْآنِ لِطَالِبِ التَّفْسِيرِ مَآخِذُ كَثِيرَةٌ أُمَّهَاتُهَا أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ: النَّقْلُ عَنْ [رَسُولِ اللَّهِ] ﷺ وَهَذَا هُوَ الطِّرَازُ [الأَوَّلُ] (*) لَكِنْ يَجِبُ الْحَذَرُ مِنَ الضَّعِيفِ [فِيهِ] وَالْمَوْضُوعِ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ، [وَإِنَّ سَوَادَ الأَوْرَاقِ سَوَادٌ فِي الْقَلْبِ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: سمعت أحمد بن حنبل يقول]: " ثلاثة كُتُبٍ لَيْسَ لَهَا أُصُولٌ الْمَغَازِي وَالمَلاَحِمُ وَالتَّفْسِيرُ " قَالَ المُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: وَمُرَادُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَسَانِيدُ صِحَاحٌ مُتَّصِلَةٌ وَإِلاَّ فَقَدَ صَحَّ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ». اهـ.
وقصارى القول أن الاستشهاد بعبارة الإمام أحمد للتشكيك في أحاديث التفسير كلها غير صحيح، يبطله ثبوت أحاديث التفسير في أمهات الكتب الصحيحة كـ " البخاري " و" مسلم " و" الموطأ " و" الترمذي "، بل في " مسند الإمام أحمد " نفسه.
هَلْ اسْتَوْعَبَ البُخَارِيُّ كُلَّ الصَّحِيحِ فِي " جَامِعِهِ "؟:
وقد زعم الأستاذ، أن البخاري قد انتقى أحاديث " صحيحه " من ستمائة ألف حديث والكلام هنا في موضعين:

(١) ٢/ ١٧٨ الطبعة السابقة.
(٢) كذا نقله السيوطي عنه في " الإتقان ": ٢/ ١٧٨ الطبعة السابقة.
---------------------
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(*) [ورد في المطبوع من كتاب " السُنَّة ومكانتها في التشريع الإسلامي " (المعلم) وإنما هي (الأَوَّلُ)، انظر " البرهان " للزركشي: ١/ ١٥٦، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الثالثة: ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م، مكتبة التراث - القاهرة].

1 / 245