293

Al-Sunna wa-makānatuha lil-Sibāʿī

السنة ومكانتها للسباعي

Publisher

المكتب الإسلامي

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م (بيروت)

صحيحًا، وها هو النووي يروي أن بعض علماء زمانه كان قد عمي وذهب بصره فاكتحل بماء الكمأة مجردًا فشفي وهو شيخ له صلاح ورواية للحديث، ومنهم من ادعى أنه إذا أضيف إليه الإثمد كان نافعًا مفيدًا، وقد بحثه أطباء المُسْلِمِينَ أيضًا فاعترفوا بصحته، فابن القيم في " الهدي النبوي " (١) يذكر لنا اعتراف مشاهير الأطباء قَدِيمًا بأن ماء الكماة يجلو البصر. منهم، المسيحي، وابن سيناء وغيرهما، وذكروا بأن فيها جوهرًا يدل على خفتها، والاكتحال به نافع لظلمة البصر والرمد الحار، وقال ابن البيطار المالقي في "مفرداته ": «مَاءُ الكَمْأَةِ أَصْلَحُ الأَدْوِيَةِ لِلْعَيْنِ إِذَا عُجِنَ بِمَاءِ الإِثْمِدِ وَاكْتُحِلَ بِهِ فَإِنَّهُ يُقَوِّي الجَفْنَ، وَيَزِيدُ الرُّوحَ البَاصِرَةَ حِدَّةً وَقُوَّةً». وقال داود في " تذكرته ": «إِنَّ مَاءَهَا يَجْلُو البَيَاضَ كُحْلًا».
فها أنت ترى أن العلماء لم يُقَصِّرُوا في التجربة وأن الأطباء لم يُقَصِّرُوا في البحث، ومع ذلك فلم يرض مؤلف " فجر الإسلام " إلا أن ياتي كل مسلم إلى كمية من الكماة، ثم يعصرها ويقطر عينيه بمائها، فإن أصابهم العمى جميعًا كان الحديث مكذوبا وإلا كان صحيحًا .. ونحن نسأله؟ إن أبا هريرة والنووي والأطباء قَدِيمًا جَرَّبُوا الكماة فوجدوها نافعة للعين، فهل قام هو بمثل هذه التجربة فأصابه مكروه؟ وهل استقرأ هو جميع جزئيات الكمأة على اختلاف أنواعها فوجدها تخالف الحديث؟ ولو سلمنا أنه قام بمثل هذه التجربة فلم تنجح. أليس لنا أن نسأله: هل تحققت أن الكمأة التي حللتها وقمت بتجربتها هي عين الكمأة التي تنبت في أرض الحجاز في عهد الرسول والتي أخبر الحديث عن خاصيتها؟ وهل بلغ الطب اليوم نهايته حتى إذا خالف الحديث جاز لكم أن تحكموا بكذب الحديث ووضعه؟
الحق أن الأستاذ لم يُوَفَّقْ في هذا المثال كما لم يوفق في الحديثين السابقين، ولا أدري كيف يسوغ له أن يشك في حديث لا غبار على سنده، وقد جرب متنه واتفق الأطباء على صحته، ولو أنه أثبت لنا من بحوث الطب اليوم ما لا يتفق مع

(١) الجزء الثالث: ص ١٨١. [يقصد السباعي كتاب " زاد المعاد "].

1 / 286