311

Al-Sunna wa-makānatuha lil-Sibāʿī

السنة ومكانتها للسباعي

Publisher

المكتب الإسلامي

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م (بيروت)

لم ينفرد به أبو هريرة، وإنما هو صنيع كل من روى الحديت من صحابة رسول الله ﷺ، ما عدا عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد كانت له صحيفة يكتب فيها، وذلك معروف للمطلعين على تاريخ الحديث، ويعترف به المؤلف نفسه إذ يقول (١): «وعلى كل حال، مضى العصر الأول ولم يكن تدوين الحديث شائعًا، إنما كانوا يَرْوُونَهُ شفاهًا وحفظًا، ومن كان يُدَوِّنُ فإنما كان يُدَوِّنُ لنفسه» انتهى.
ويشير بذلك إلى من دَوَّنَ الحديث من التَّابِعِينَ في القرن الأول، أما من الصحابة فلم يكن يُدَوِّنُ الحديث لنفسه في صحيفة خاصة إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، فَما وجه تخصيص أبي هريرة بهذا؟ وما الفائدة من ذكره وهو معلوم مشهور؟ ليس لذلك سر إلا أن المولف يريد التشكيك بأحاديث أبي هريرة، فما دام الرجل لم يكتب الحديث وما دام يروي من ذاكرته فقط، وما دامت الذاكرة قد تخطئ وتخون، فنحن في شك من صحة أحاديثه، إلى هذا يرمي مؤلف " فجر الإسلام " حتمًا ولولاه لما أغفل عَمْدًا ثناء الصحابة عليه في حفظه وصدقه ودينه وزهده وإقرار العلماء له بالتقدم على الصحابة جميعًا في حفظ الحديث وروايته، حتى ليبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم، كما قال البخاري.
ولو أنه ذكر ذلك لما تأتى له الطعن في أبي هريرة من هذه الناحية، فالرجل الحافظ الصادق المتثبت في حفظه، المعترف له من أهل العلم بالأمانة والإتقان، لا يضره ألاَّ يُحَدِّث من كتاب، بل من العلماء من يُفَضِّلُ الأخذ عن الذي يُحَدِّثُ من حفظه إذا كان مُتَثَبِّتًا صدوقًا على الأخذ عن الذي يُحَدِّثُ من كتاب غيره، حتى لقد ذهب علماء الأصول إلى أنه إذا تعارض حَدِيثًان: أحدهما مسموع والآخر مكتوب، كان المسموع أولى وأرجح، قال الآمدي في " الإحكام " (٢): «وَأَمَّا مَا يَعُودُ إِلَىَ الْمَرْوِيَِّ فَتَرْجِيحَاتٌ: الأَوَّلَ، أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنْ سَمَاعِ مِنَ الْنَّبِيِّ ﷺ، وَالرِّوَايَةُ الأُخْرَى عَنْ كِتَابَةٍ، فَرِوَايَةُ السَّمَاعِ أَوْلَى، لِبُعْدِهَا عَنْ تَطَرُّقِ الْتَّصْحِيْفِ وَالْغَلَطِ».

(١) [" فجر الإسلام "]: ص ٢٧٢.
(٢) [" الإحكام للآمدي "]: ٤/ ٣٣٤.

1 / 304