348

Al-Sunna wa-makānatuha lil-Sibāʿī

السنة ومكانتها للسباعي

Publisher

المكتب الإسلامي

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م (بيروت)

هكذا كان صحابة رسول الله ﷺ، فمن أنكر على أبي هريرة مزاحه فقد أنكر أمرًا من الدين مباحًا، وَخُلُقًا لدى الكرام محبوبًا.
ثَامِنًا - التَّهَكُّمُ بِهِ:
قال أَبُو رَيَّةَ (١): «ولقد كانوا يتهكمون برواياته وَيَتَنَدَّرُونَ عليها لما تفنن فيها وأكثر منها، فعن أبي رافع: أن رجلًا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: " يا أبا هريرة! إنك تكثر الحديث عن رسول الله فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا؟ " فقال: " سمعت أبا القاسم يقول: " إن رجلًا من كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يجلجل فيها حتى تقوم الساعة، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك "، (وأسند أَبُو رَيَّةَ هذا الخبر إلى ابن كثير) ثم قال: (ويبدو) من سؤال هذا الرجل أنه لم يكن مستفهمًا، وإنما كان متهكمًا إذ لم يقل له: إنك تحفظ أحاديث رسول الله، وإنما قال: تكثر الحديث عن رسول الله، (وسياق) الحكاية يدل كذلك على أنه كان يهزأ به ويسخر منه».
ها هنا أمور:
أولًا - إن السائل لم يكن من الصحابة، ولا من التَّابِعِينَ الذين أخذوا الشريعة واَدابها عن صحابة رسول الله ﷺ، وإنما كان فتى من شباب قريش العابثين، ومثل هذا لا ينتظر منه أن يعلم قدر أبي هريرة أو يؤخذ عنه التقدير الصحيح لفضل أبي هريرة وعلمه.
ثانيًا - أنه كان فتى عابثًا مترفًا يلبس حلة غالية يتبختر فيها فشاء له ترفه وعبثه أن يقول لأبي هريرة: هل تحفظ شيئًا في حلتي هذه؟ فذكر له حديث رسول الله ﷺ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ ... إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ» ... الخ، وتقول بعض الروايات (٢): إن الفتى العابث المغرور قال له: أهكذا

(١) ص: ١٦١.
(٢) وهي رواية الدارمي في " سُننه ": ١/ ١١٦ طبع دمشق.

1 / 341