لكن لما فسد الزمان وخربت الذمم وكثر الطمع وقل الورع، وأصبح المدينون يعمدون إلى تهريب أموالهم من وجه الدائنين عن طريق وقفها أو هبتها لمن يثقون به من قريب أو صديق، أفتى المتأخرون من فقهاء الحنفية والحنابلة في وجه عندهم بعدم نفاذ هذه التصرفات من المدين، إلا فيما يزيد عن وفاء الدين من أمواله.
وعند الإمام أبي حنيفة أنه لا يلزم تزكية الشهود ما لم يطعن فيهم الخصم، اكتفاء بظاهر العدالة، وأما عند صاحبيه أبي يوسف ومحمد فيجب على القاضي تزكية الشهود بناء على تغير أحوال الناس.
كذلك أفتى المتأخرون بتضمين الساعي بالفساد لتبدل أحوال الناس مع أن القاعدة (إن الضمان على المباشر دون المتسبب)، وهذا لزجر المفسدين، كما سبق بيانه.
كذلك جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة في زماننا، مع أنه مكان معد للعبادة ينبغي أن لا يغلق، وإنما جوز الإغلاق صيانة للمسجد عن السرقة.
ومن ذلك أيضًا قبول شهادة الأمثل فالأمثل، وجواز أخذ الأجرة على أداء الشعائر وتعليم القرآن، والتقاط ضالة الإبل زمن عثمان ﵁.
(ب) أمثلة للأحكام التي تغيرت لتغير العادات وتبدل المصالح وتطور الزمن.
منها نهي النبي ﷺ عن كتابة حديثه، ثم انصرف العلماء إلى تدوين السنة بأمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀.
ومنها كتابة القرآن الكريم في الورق ثم طباعته بعد ذلك وإعجامه بعد أن كان مجردًا.
ومنها إنشاء المدارس ومراحل التعليم المختلفة والجامعات بأنواعها ونظمها المختلفة.